الصفحة 15 من 146

يقرأ كتب الأولين لئلا يقال علمه بشر كما بين الله سبحانه و تعالى و أخبر فلما نزلت الرسالة على محمد - صلى الله عليه وسلم - كفر و استكبر و أعرض و لهذا قال المشركون (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ(31 ) ) يعني أن عالم ثقيف أو أميرهم أو عالم قريش أو على أميرهم قال الله عز وجل: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ) ، و قال عز وجل: (( (((أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)

و الحاصل أنه لا يصح علم بلا عمل و لا يستقيم عمل بلا علم بحال ولهذا فإن العلم يزكو و ينمو ويكثر بالعمل كما قال الخطيب البغدادي رحمه الله في كتابه (اقتضاء العلم العمل) يقول: و كما أن المال ... لا يُنتفع به إلا بإنفاقها فكذلك العلوم لا يستفاد منها إلا بالعمل بها و القيام بواجبها ... إلى قوله: فينبغي لكل امرئ أن يأخذ لنفسه و يستفيد من عمره فإن الثواء قليل و الرحيل قريب، و الطريق مخوف، والاغترار غالب، و الخطر عظيم، و الناقد بصير و الله عز و جل بالمرصاد و إليه المرجع و المعاد كما قال تعالى: (فَمَنْيَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ(7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8 ) ) ثم روى عن أبي الفرج بسنده إلى أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، و عن علمه ماذا عمل به، و عن ماله من أين اكتسبه و فيما أنفقه، و عن جسمه فيما أبلاه) و قيل فيما قيل كما روي عن علي رضي الله عنه و الصحيح وقفه، و لا يصح رفعه: هتف العلم بالعمل .. فإن أجابه و إلا ارتحل. كما أخرج ذلك عنه الخطيب البغدادي و غيره، و من الطريف أن هذا الأثر الموقوف مسلسل سنده بالآباء رواه تسعة من الرواة كل واحد عن أبيه يبلغ به عبد الله التميمي إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه و أرضاه، هتف العلم بالعمل .. فإن أجابه وإلا ارتحل. فالعلم إنما يزكو و ينمو بتدارسه و العمل به، و العمل بحد ذاته هو ترسيخ للعلم و تأكيد له، و لهذا في قوله عز وجل: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ(79 ) ) قال العلماء: الربانيون هم الذين علموا و عملوا ثم دعوا إلى ما علموا و عملوا و ربوا عليه و تواصوا بذلك. هؤلاء هم الربانيون و ما أقبح ألا يعمل طالب العلم بعلمه فهذا كما ذكرت إنما يكون وبالًا عليه و حسرة و ندامة و زيادة في الأثقال و الآصار و حجة و نقصًا وندامة و العياذ بالله.

و لهذا صح عند مسلم و غيره أن أحد الثلاثة الذين أول ما تسعر بهم جنهم رجل تعلم العلم حتى إذا جيء به بين يدي الجبار عز و جل و عرفه نعمته فعرفها إلى قوله فيسأله الله عز وجل فيقول: قرأت كتابك وعملت به، فيقال: كذبت و لكن قرأت ليقال قارئ فيأمر به فيكب على وجهه في النار ـ و العياذ بالله ـ و هذا الحديث هو الذي خلع قلوب العارفين، و لذلك كما في مسلم كان أبا هريرة رضي الله عنه راوي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت