لها أنّةٌ قبل الأصيل وأنّةٌ سحيرا ... فلولا أنّتاها لجنت
فما بال أعرابية إلى آخر ما قالت تذكر غربتها فالحاصل أن البادية لا يتحملون أن يعيشوا في القصور العالية المشرفة يذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه في آخر الزمان تنقلب الآية فيتركون ما هم عليه و يتطاولون في البنيان و يحتمل أن يكون المعنى ينقلب الوضعاء أشراف الفقراء العالة يصيرون أشرافًا أرفع الناس لهم الكلمة و مما يساعد أيضًا على هذا المعنى أنه كانوا في الزمان الأول كان بعضهم يتمنى لو صار إلى عيشة أفضل مثل الأعرابي الذي كان عند شويهته و بعيره فإذا اشتهى أن يصير ملكًا أو مملكًا بلا ملك كان يفزع إلى كأسه و يشرب الخمر حتى يعني يحب أن يصير مثل النعمان ملك الحيرة كان يقول:
و إذا سكرت فإنني رب الخورنق و السدير
و إذا صحوت فإنني رب الشويهة و البعير
يعني أرجع إلى شويهتي و بعيري.
فهؤلاء ينتقلون من الحال الدنيا إلى حال أفضل فيتطاولون في البنيان.
أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يعني رعاة للشاة يتطاولون في البنيان بمعنى يطيلونها و يفخمونها و يزخرفونها و يتطاولون في تجميلها و تزيينها و لو نظرنا إلى هذا الزمان لوجدنا العجب العجاب و أكثر الناس فخرًا و بذخًا في البنيان هم أقرب الناس عهدًا بالبادية في الغالب الكثير و كل أهل هذه البلاد كانوا أقرب الناس عهدًا بالبادية كل أصحاب هذه المواطن بالأمس القريب حتى في العقد القريب يعني ليس في العقد الماضي ما كانوا يجدون إلا المدر و الحجر و السعف و الجريد و بيوت الشعر و فجأة تراهم ينزلون في شاهق القصور و في نيف الأبنية فهذا مصداق قول الرسول عليه الصلاة و السلام.
في الزمان السابق كان مثل هذا أيضًا فهذه آية و علم من أعلام نبوته عليه الصلاة و السلام، و في هذا إشارة إلى تحول الأشراف إلى الضعة و الضعة إلى الشرف، و لهذا جاء في صحيح الحاكم"لا تقوم الساعة حتى يوضع الأخيار و يرفع الأشرار"، و جاء في مسند الإمام أحمد عن حذيفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ..."لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا ـ يعني بالمال و القصور ـ لكع ابن لكع"يعني السفيه التافه كما قال الحطيئة:
أطوف ما أطوف ثم آوي ... إلى بيت قعيدته لكاع
المرأة لكاع و الرجل لكع أو يطلق على الاثنين أحيانًا. و قال - صلى الله عليه وسلم - كما في مسند الإمام أحمد عن أنس: ..."بين يدي الساعة سنون خداعة يتهم فيها الأمين، و يؤتمن المتهم، و تنطق الرويبضة قالوا: و ما ... الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم بأمر العامة"و في رواية"بين يدي الساعة سنون خداعة يُصدق فيها الكاذب، و يُكذب فيها الصادق، و يُخون فيها الأمين، و يُؤمن فيها الخائن، و تنطق الرويبضة"الخ الحديث. الله أكبر الله المستعان الصالح و المؤتمن و الأمين و صاحب الدين و الورع يكون أبعد الناس عن الدنيا يعني الأعمال المهمة و يلصق به من التهم ما يسمع كثيرًا و يردد و الخائن السفيه التافه