ومما يعزّز العلاقات السببية داخل البنية النصية للحديث مسألة التدرّج الإسنادي في عرض الأفكار، لما تتضمنه من تسلسل منظّم، وتظهر جلية في التدرّج؛ لأن بنية التدرج هي بنية منطقية (38) ؛ فتحقُّق إحدى صور المعلومات داخل التتابع الجملي النصي يتوقّف على حدوث الأخرى (39) ، إذ تترابط المحتويات الدلالية للتراكيب الإسنادية بطريقة مقنعة ومؤثرة، ويلمح هذا في كل حديث من الأحاديث القدسية، ومن ذلك الحديث التالي:
"حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، قالا: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يقول الله سبحانه: أَنَا عِنْدَ ظَنّ عَبْدِي بي. وأنا معه حين يَذْكُرُنِي. فَإِنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نفسي. وإِنْ ذَكَرَِني في مَلأ ذَكَرْتُهُ ِفي مَلأ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وإِنْ اقْتَرَبَ إِليّ شِبْرًا اقتَرَبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا. وِإنْ أَتَانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً" (40) ."
إذ تترابط التراكيب على تعدّد دلالاتها الجزئية مع اتفاقها في الفكرة الكلية التي هي: (حسنُ الظن بالله تعالى) ؛ وذلك بفعل العلاقات السببية التي تربط الدوائر الإسنادية المشكلة لهذا الحديث، فالله عز وجل يكون عند ظن عبده به، فتنبثق من هذه الفكرة الدلالات الجزئية التي تحملها الأفكار المتتابعة، وهذه الأفكار هي:
1.إن الله مع العبد حين يذكره.
2.إذا ذكر العبد الله عز وجل في نفسه ذكره الله في نفسه.
3.إذا ذكر العبد الله عز وجل في ملأ ذكره الله في ملأ خير منهم.
4.إذا اقترب العبد من الله شبرًا اقترب الله إليه ذراعًا.
5.إذا أتى العبد إلى الله ماشيًا، أتاه الله هرولة.