فالله تعالى أمر المؤمنين بمباينة من خالف اعتقادهم، ونكث عهدهم، وطعن في دينهم، أمرهم بمجانبتهم -أي البعد عنهم-، يكون في جانب وهم في جانب، وترك مجالستهم، لا تتخذ الكافر صديقا تزوره ويزورك، ما فيه داع، إن جمعك به مجلس من دون اختيار هذا شيء آخر، أما كونك تتخذه صديقا، تفضي إليه بأسرارك، وتثق به، وتزوره ويزورك، هذا من المولاة، فعليك بالبعد عنه إلا إذا .. إلا في حالة دعوته للإسلام فلا بأس، تزروه وتدعوه للإسلام، كما زار النبي - صلى الله عليه وسلم - اليهودي الذي دعاه للإسلام فأسلم، وكما زار عمه أبا طالب فدعاه للإسلام ولم يقدر الله له الإسلام.
فالمسلم عليه أن يباين من خالف اعتقاده وعقيدته، ويجانبه ولا يجالسه ولا يستمع لخطئه وخطله، لا يستمع لخطئه في أفعاله، وخطله -أي زلله- في أقواله، ولهذا قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) } [1] ومن شاق الرسول، واتبع غير سبيل المؤمنين، وهم الصحابة والتابعون ومن بعدهم من العلماء والأئمة، من اتبع غير سبيلهم وشاق الرسول ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم.
وقال سبحانه في هذه الآية الكريمة التي ساقها المؤلف في سورة النساء: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) } [2] فلا يجوز للمسلم أن يجلس في مجلس يُعصى الله ورسوله فيه.
فإذا جلس الإنسان في مجلس يُستهزأ فيه بالله أو بكتابه أو برسوله فإنه يجب عليه أن ينكر عليهم، فإن زال المنكر فالحمد لله، وإن لم يُزل فيجب عليك أن تفارق هذا المجلس ولا تجلس معهم، فإن جلست فأنت مثلهم.
فمن جلس في مجلس يُعصى الله، يُكفر فيه بالله أو بكتابه أو برسوله، ولم ينكر عليهم، ولم يقم من المجلس، فله الحكم، يكون كافرا مثلهم، كما قال سبحانه: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) } [3] .
وإذا جلست في مجلس فيه الغيبة والنميمة، فعليك أن تنصحهم، فإن امتثلوا فالحمد لله، وإن لم يمتثلوا فقم، وإن لم تقم فأنت لك حكمهم، حكم المغتاب وحكم النمام، وإذا جلست في مجلس يُشرب فيه
(1) - سورة النساء آية: 115.
(2) - سورة النساء آية: 140.
(3) - سورة النساء آية: 140.