صفة المحبة لله كما يليق بجلاله وعظمته، وفيه الرد على من أنكر محبة الله من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم، كلهم ينكرون محبة الله، الجهمية ينكرون المحبة، والمعتزلة، والأشاعرة.
فالله يُحِب ويُحَب، كما قال -سبحانه وتعالى- في آية المائدة: {فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [1] والجهمية يقولون:"إن الله لا يُحِب ولا ويُحَب". أنكروا المحبة، وقالوا: إن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب، ولا مناسبة بين الخالق والمخلوق توجب المحبة، وهذا من أبطل الباطل، أي مناسبة أعظم من مناسبة بين الرب والعبد، الرب -سبحانه وتعالى- يتولى عباده ويربيهم بنعمه، والعبد يتأله ربه ويعبده، هذا أعظم مناسبة.
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4) } [2] فإذا وجد الخلل في الصفوف -صفوف المجاهدين أو في الصلاة- فإنه يؤدي إلى الخلل في القلوب، وتنافر القلوب، فإذا اختلف الناس اختلفت قلوبهم؛ ولهذا كان مما ورد في الأمر بالمراصة في الصفوف: " تراصوا في الصفوف، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم " والاختلاف في الصفوف في الصلاة يؤدي إلى اختلاف القلوب، ولهذا قال الله - عز وجل - {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4) } [3] ليس فيه خلل. نعم.
قوله تعالى"وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم"
وما أمر به المؤمنين من مباينة من خالف عقدهم، ونكث عهدهم، وطعن في دينهم، من مجانبتهم، وترك مجالستهم، والاستماع لخطئهم وخطلهم.
خطلهم، خطئهم وخلطهم، الخطأ يعني كون الإنسان يخطئ ويعمل خطأ، والخطل: الخطل في اللسان هو الزلل، الزلل في اللسان، خطئهم وخلطهم.
والاستماع لخطئهم وخطلهم، فقال تبارك وتعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) } [4] .
في هذا بيان أن الله -سبحانه وتعالى- أمر المؤمنين بمباينة من خالف عِقدهم -يعني من خالف اعتقادهم-، فالمؤمن عليه أن يباين من خالف عقيدته كاليهودي والنصراني والوثني، عقيدته تخالف عقيدة المسلم، فلا بد من مباينته والبعد عنه، وعدم اتخاذه صديقا أو معاشرا.
(1) - سورة المائدة آية: 54.
(2) - سورة الصف آية: 4.
(3) - سورة الصف آية: 4.
(4) - سورة النساء آية: 140.