الصفحة 9 من 17

الثقلين علمًا، ومع هذا فهو أظهر المخلوقات شرًا، لأنه اعتمد على علمه فوكله الله إلى نفسه.

ثالثًا: إن البطانة لا يلزم أن يتخذها الإنسان باختياره، فربما يُبتلى العالم بها كبلاء الأنبياء بالجلساء المنافقين، أو كمن تُفرض عليه بطانة سوء كالمستشارين والمرافقين، للعلماء أصحاب الولايات، ولهذا لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث أن النبي يختارها، بل قال: (إن الله لم يبعث نبيًا ولا خليفة إلا وله بطانتان) إشارةً إلى وجودها قَدَرًا باختيار أو بابتلاء، وحينما تجرأت البطانة السيئة بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم مع هيبة الوحي المنزل في نفوسهم، الذي يكشف الستر، ويُخبر عما في السرائر، فكانوا يترقبون الفضيحة، قال تعالى عنهم: (يحذر المنافقون أن تُنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم) ، فكيف عند الأمن من ذلك بعد انقطاع الوحي الفاضح مع العالم والسلطان، وخوف المنافقين وحذَرهم مع النبي دليلٌ على أن ظاهرهم الموافقة والخير، وباطنهم الشر.

رابعًا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر) ، هذا في حق نبي، يؤمر وينهى، وهذا جاء في سياق المدح لها، ويتضمن المدح للأنبياء لأنهم يُنصتون لهم من غير أنفة أو تكبر بادعاء التفاوت بين مقام النبوة ومقام غيرهم، فإذا مُدح النبي لسماعه وإنصاته لرأي من حوله من بطانته الصالحة، فالواجب على العالم وصاحب السياسة السماع والإنصات من باب أولى، والنفرة من البطانة الآمرة الناهية هي سبب حرمان العالم من التوفيق، وعلامة على اختلال النية، وما أكثر ما يمتزج في قلب العالم حفظ هيبته الخاصة بحفظ هيبة علمه ودينه، فيأنف ويترفع من أن يؤمر أو يُنهى بحجة صيانة العلم أن يُبتذل وهو لا يُريد إلا صيانة ذاته، والعلامة الفارقة بين العالم الذي يرفع رأسة صيانة للعلم، وبين العالم الذي يرفع رأسه صيانة لنفسه، أنك ترى الرأس الكاذب كثيرًا ما ينزل لتناول الدينار والدرهم والجاه، ولو من أيدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت