«إِنَّ أَمَامَ الدَّجَّالِ سِنِينَ خَدَّاعَةً، يُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيَتَكَلَّمُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ. قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: الْفُوَيْسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ» [1] ، أو قَالَ: «الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ» [2] .
وهذا كله قبل أن يظهر الدجال.
إخواني المسلمين،
وهل مر عبر التاريخ زمن أشد ظلمة ودهاء من هذا الزمن الذي انقلبت فيه معايير الحق والباطل .. حيث أصبح حب الله ورسوله تطرفا، والمطالبة بتطبيق شرعه جريمة تستحق القتل، والتضحية بالنفس من أجل حرمة الرسول صلى الله عليه وسلم خروجا على النظام يستوجب الشنق ..
حيث أصبح القتال في سبيل الله من أجل تطبيق شرعه حراما، والحرب من أجل الحفاظ على النظام الربوي الكفري جهادا!!
أصبح الذين يضحون بأرواحهم من أجل هذا النظام الفاسد شهداء .. والذين يحملون السلاح من أجل تطبيق الشريعة كفرة في سواء الجحيم!!
ولم يتوقف الظلم عند هذا بل وصل الأمر إلى محاولة انتزاع الإيمان من قلب كل مسلم وسلخه عن دينه. فها هم ينشرون تفسيرا جديدا للدين في مقابل الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يجبرون المسلمين أن يعلنوا عن رضاهم بهذا الدين الجديد.
ما أظلم هذا الزمن الذي أصبح فيه الدجل والدهاء علما، والكذب صناعة. فأبواق الإعلام أصبحت مصانع تنتج فقاعات هوائية تباع بملايين الروبيات.
وليست المأساة بأن الناس لا يدركون حقيقة صناعة الأكاذيب هذه، بل المأساة أنه على الرغم من معرفتهم لحقيقة الأكاذيب أصبحوا يؤمنون بها. وأصبحت معايير الحق والباطل والحب والكراهية تبنى على أساس ما يُنشر من الأغاليط. فهم يعلِّمون الناس من الذين يجب أن يدعوا لهم ومن يجب الدعاء عليهم. ويبينون لهم أن الشهيد هو القادياني والهندوسي الذي يموت من أجل الوطن، في حين أن المجاهد الذي يضحي بحياته من أجل حرمة الرسالة المحمدية مجرم ظالم يستحق القتل بكل ضراوة. ففي زمن الفتن هذا يثبت علم الدجل وصناعة الكذب هذه المقاييس المعكوسة.
ولِمَ نتكلم عن عامة الناس إن أصبحت فتاوى أهل العلم والفكر وفقهاء البلاد تصاغ في مصانع الكذب كي تزيد لهيب الفتن اشتعالا.
الفتنة هي التي ينقلب فيها الأمس عن اليوم فينعكس تماما وبسرعة تسلب الألباب. فالأقلام التي كانت تقول بالأمس أن أفكار القادياني والغامدي ونظرياتهم ضلال، أصبحت اليوم تُنسب لها نفس الأفكار الضالة، ثم تُعرض كدين بديل لدين محمد صلى الله عليه وسلم. الأقلام التي كانت حتى الأمس تُثبت أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل جهاد، وأن التضحية بالنفس من أجل ذلك أفضل شهادة، اليوم نفس الأقلام تدلل على أهمية الدفاع عن قلاع الكفر وبُئر الدعارة.
هذه الرواية البديلة عن الدين لا تتعلق بمجرد تعيين الأولويات كي نعتبرها هينة ونتجاهلها .. بل إن هذه الفتاوي التي صيغت في مصانع الكذب تؤكد على أن الحفاظ على الأنظمة الكفرية وقلاع الربا ومحطات الزنا هو الجهاد بعينه. في حين أنها تبيح هدر دماء وأموال وممتلكات أولياء الله الذين خرجوا يحملون شموع الإيمان ليبيدوا بها الظلمات التي حلت بالبشرية في زمن الدجل هذا.
هذه هي فتنة الدهيماء .. السنوات الخداعات ... التي تمر بها الأمة.
وسيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه بين كيفية معرفة الابتلاء بالفتن فقال:
«إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَعْلَمَ أَصَابَتْهُ الْفِتْنَةُ أَمْ لَا، فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ كَانَ رَأَى حَلَالًا كَانَ يَرَاهُ حَرَامًا فَقَدْ أَصَابَتْهُ الْفِتْنَةُ، وَإِنْ كَانَ يَرَى حَرَامًا كَانَ يَرَاهُ حَلَالًا فَقَدْ أَصَابَتْهُ» . [3]
(1) - مسند أحمد طبعة الرسالة (21/ 25) حديث حسن.
(2) - المستدرك على الصحيحين للحاكم (4/ 512) وقال (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ) . وعلق عليه الذهبي (8439 - صحيح) .
(3) - المستدرك على الصحيحين للحاكم مع تعليقات الذهبي في التلخيص (4/ 514) قال الحاكم (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ) علق الذهبي (8443 - على شرط البخاري ومسلم) .