الصفحة 39 من 62

حين ابْتُلِى المسلمون في غزوة الخندق.

تصوروا ذلك الموقف،

حين حاصر العدو المدينة المنورة من أعلاها ومن أسفلها،

وكانت القوة العظمى في جزيرة العرب قد خرجت حالفة بأن لا ترجع إلا وقد أصبحت المدينة مقبرة للإسلام والمسلمين،

واليهود كانوا قد واعدوها من داخل المدينة وخارجها،

وأتت تلك القوة بجميع قبائل العرب معها،

والمنافقون من الداخل يخططون لإبادة المسلمين.

يصف القرآن تلك اللحظة بقوله (وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) .

والإنسان يتساءل هناك، هل سيُقضَى على شرع محمد صلى الله عليه وسلم؟ وهل سيُمْحَى نظام الله من على أرضه؟ وهل ستذهب الدماء التي سقطت في غزوة أحد وغيرها من الغزوات والسرايا فداء لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم ولتطبيق شرعه وإظهار دينه سدى؟

وقُبيل أن تصل جيوش الكفر كان الصحابة منهمكين في حفر الخندق. وحين رأى سيد المدينة صلى الله عليه وسلم فدائييه قد أعياهم الجوع والبرد القارس، فأنهكهم وأضناهم، انطلق لسانه بالدعاء لهم:

(اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر الأنصار والمهاجره) .

وأحس عشاق الشريعة أولئك أن حالهم قد أهمَّ سيدهم، فهتف فدائيو محمد صلى الله عليه وسلم بلسان واحد:

(نحن الذين بايعوا محمدًا، على الجهاد ما بقينا أبدًا) .

وكان سيد المدينة صلى الله عليه وسلم يرافق أصحابه في تلك الظروف، حتى ظهرت لهم صخرة بيضاء كسرت معاولهم وشقت عليهم، فعرض سلمان الفارسي رضي الله عنه الأمر أمام سيد الأنام، فجاء بنفسه، عليه الصلاة والسلام، فأخذ المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتحٍ وكبر المسلمون، ثم ضربها الثانية فكذلك، ثم الثالثة فكذلك.

وذكر ذلك سلمان والمسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه عن ذلك النور، فقال:

(لقد أضاء لي من الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها،

ومن الثانية أضاءت القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها.

ومن الثالثة أضاءت قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا)،

واستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعود صادق.

أيا إخواني المجاهدين!

بشارات كمثل هذه في مثل تلك الحالة العصيبة لا يمكن أن يوقن بها إلا من فتح الله قلبه لهدي محمد صلى الله عليه وسلم.

وأما مرضى القلوب فلا يمكنهم، وهم يرون تلك الحالة، إلا أن يقولوا:

انظروا وقد هاجمتهم العرب جمعاء بعدتها وعتادها، وهم يربطون الحجارة على بطونهم لأنهم لا يجدون كسرة خبز. وقد حوصروا داخل المدينة فأنى لهم من ملجأ ومأوى، ومع ذلك يهتفون ويدعون أنهم سيفتحون الروم وفارس. يا للعجب!

فانظروا، أنحن فقط من يواجه مثل هذه الظروف، أم أن الله يأتي بها على المسلمين ليميز الخبيث من الطيب، وليمحتن الصادقين والكاذبين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت