…وإن من يستعرض الواقع التاريخي للإسلام يجد ما يؤكد هذه الحقيقة بدون لبس أو غموض ، فبينما سراقة بن مالك (212) يطارد رسول الله ( وصاحبه أبا بكر ( وهما مهاجران خفية عن أعين الناس ، وبينما كان سراقة يعثر به فرسه كلما هم أن يتابع الرسول ( وصاحبه طمعًا في جائزة قريش المغرية التي رصدتها لمن يأتيها بمحمد ( وصاحبه ، أو يخبر عنهما ، وبينما هو يهم بالرجوع ، وقدْ عاهد النبي ( أن يكفيهما مَنْ من وراءه ، في هذه اللحظة قال النبي (:(( يا سراقة ، كيف بك وسواري كسرى ) )؟ (213) يعده سواري كسرى ، شاهنشاه الفرس ( ملك الملوك ) !
…نعم لقد كان رسول الله ( عارفًا بالحق الذي معه ، معرفته بالباطل الذي عليه الجاهلية في الأرض كلها يومذاك .. وكان واثقًا من أن هذا الحق لابد أن ينتصر على هذا الباطل . وأنه لا يمكن أن يوجد الحق في صورته هذه ، وأن يوجد( الباطل ) في صورته هذه ، ثم لا يكون ما يكون !
…ولقد كان سراقة يدرك تمامًا بعدما ساخت قوائم فرسه في الأرض أن هنالك قدرًا علويًا يحرك الأحداث ، ويدفعها لصالح الحق ، والحق فقط ، ولهذا كان يقول مخاطبًا أبا جهل:
أبا حكم والله لو كنت شاهدًا
لأمر جوادي إذ تسوح قوائمه
علمت ولم تشكك بأن محمدًا
رسول ببرهانٍ فمن ذا يقاومه ؟ (214)
…ونحن اليوم في مثل هذا الموقف بكل ملابساته ، وكل سماته مع الجاهلية كلِّها من حولنا ، فلا يجوز - من ثم - أن ينقصنا اليقين في العاقبة المحتومة . العاقبة التي يشير إليها كل شيء من حولنا على الرغم من جميع الفتن المحيطة بنا .
… (( إن حاجة البشرية اليوم إلى ذلك المنهج ليست بأقل من حاجتها يومذاك .. وإن وزن هذا المنهج اليوم بالقياس إلى كل ما لدى البشرية من مناهج لا يقل عنه يومذاك .
…ومن ثم لا ينبغي ألا يخالجنا الشك في أن ما وقع مرة في مثل هذه الظروف لابد أن يقع .