…وانظر معي إلى حال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذلك العَلَم الرباني المجاهد ، الذي بلغ علمه الآفاق ، وانتشرت كتبه في كل مكان ، ولم يسمع به كثير من المؤمنين في عصره والعصر الذي بعده إلى اليوم ، إلا انتفع به ، وشهد له بالخير ، هذا الإمام الذي اعترف بعلمه القاصي والداني كان يقول كثيرًا: (( مالي شيء ، ولا مني شيء ، ولا فيَّ شيء ) ). وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:
أنا المكدي وابن المكدي
وهكذا كان أبي وجدي (140)
…وكان إذا أُثني عليه في وجهه يقول: (( والله إني إلى الآن أجدِّد إسلامي ، وما أسلمت بعدُ إسلامًا جيدًا ) ) (141) .
…إنها أعمال جليلة ، وصور مشرقة من أحوال سلفنا الكرام ، تعطي الدعاة إلى الله - تعالى - زادًا يحملونه في مسيرتهم الطويلة أن لا يغتروا بأعمالهم مهما بلغت ، وأن يتذكروا أنهم إلى ربهم - تعالى - قادمون غدًا ، فمجزيون بتلك الأعمال ، فحذار أن يلقى الواحد منا ربَّه وفي قلبه عجب أو غرور ، ولتكن هذه الآية الكريمة أمام ناظرينا دائمًا وأبدًا: ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ((142) .
…وفتنة الآخرة وما فيها منذ دخول العبد القبر إلى يوم القيامة وما فيه من أهوال ، كل هذا لابد فيه من لجوء إلى الله - عز وجل - حتى يسلم العبد من أهوالها ، ويدخل - بفضل ربه ورحمته - واسع رحمته وجنته .
…فمن أعظم فتن الآخرة فتنة القبر حين يُسئل العبد عن ربه ودينه ونبيه ( ، فإن كان مفرطًا ظالمًا لنفسه باء بالخسران ، وتكلم بالكفران ، نعوذ به - تعالى - من الخذلان .
…ولهذا ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ( كان يستعيذ من عذاب القبر ، فيقول:(( وأعوذ بك من عذاب القبر ) ) (143) ، وما ذاك إلا لأن للقبر فتنة لا ينجو منها إلا امرؤ صالح مستقيم .