فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 71

…وفي الحديث الآخر: (( ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتنًا كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمنًا ، ويمسي كافرًا ، يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل ، المتمسك يومئذٍ بدينه كالقابض على الجمر ، أو قال: على الشوك ) ) (97) .

…ومعنى الحديث: (( كما أنه لا يمكن القبض على الجمرة إلا بصبر شديد ، وتحمل غلبة المشقة ، كذلك في ذلك الزمان لا يُتصور حفظ دينه ، ونور إيمانه إلا بصبر شديد عظيم ، وتعب جسيم ) ) (98) .

…ومن المعاصي الفاتنة التي يجب مواجهتها بالصبر ما يكون ميسرًا فعله كمعاصي للسان من الغيبة والنميمة ، والكذب ، والمراء ونحوها ، فإن الصبر على مثل هذه المعاصي أثقل ، وقد يرى الإنسان يلبس حريرًا فيستنكر ذلك ، ويغتاب أكثر نهاره ، فلا يستنكر ذلك ، فأي فتنة أعظم من هذه الفتنة ، وأي صبر أعظم من الصبر عن مثلها (99) .

…هذا فضلًا عن المعاصي الأخرى التي عمت وطمت هنا وهناك (100) ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

…ومن الفتن التي لابد للإنسان أن يقف أمامها بسلاح الصبر فتنة الدنيا وزينتها ، تلك الفتنة التي إذا أقبلت على الإنسان أخذت بمجامع قلبه ونفسه ، ولم يسلم منها إلا منتبه متيقظ . إنها الفتنة بالسراء لا بالضراء ، وبالمغنى لا بالفقر ، وقد قال سبحانه: ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ((101) .

…نعم إن المؤمن محتاج إلى الصبر على فتن الدنيا وشهواتها ، فلا يطلق لنفسه العنان للجري وراء شهواتها .. فإنه إن لم يضبط نفسه عن الاسترسال ، والركون إليها ، والانهماك فيها أخرجه ذلك إلى البطر والطغيان ، فوقع في الفتنة .

…ولهذا قال بعض الصالحين: البلاء يصبر عليه المؤمن والعوافي (102) لا يصبر عليها إلا صدّيق (103) .

…وقال أحدهم: الصبر على العافية أشد من الصبر على البلاء ، ولما فُتحت أبواب الدنيا على الصحابة الأبرار ( قال بعضهم:(( ابتلينا بفتنة الضراء فصبرنا ، وابتلينا بفتنة السراء فلم نصبر ) ) (104) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت