…لقائل أن يقول: إذا كانت فتنة الكفار تندفع بقتالهم وجهادهم ، فلماذا لم يفعل ذلك المسلمون في صدر الإسلام في مكة ، رغم اشتداد المحنة ، وتفاقم الفتنة ؟
…والجواب على ذلك يمكن إيجازه في سبعة أمور (86) :
…1- أن الكف عن القتال في مكة ربما كان لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد ، في بيئة معينة ، لقوم معينين ، ومن أهداف التربية في مثل هذه البيئة تربية الفرد على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم حين يقع عليه ، أو على من يلوذون به .
…2- أن الدعوة السليمة كانت أشد أثرًا ، وأنفذ في مثل بيئة قريش ذات العنجهية ، والشرف ، والتي قد يدفعها القتال معها في مثل هذه الفترة إلى زيادة العناد ، ونشأة ثارات دموية .
…3- لاجتناب إنشاء معركة ومقتلة داخل كل بيت ، إذا لم تكن هنالك سلطة نظامية عامة هي التي تعذب المؤمنين ، وإنما كان ذلك موكولًا إلى أولياء كل فرد ، ولو أذن بالقتال لوقعت معركة ومقتلة في كل بيت ، ثم يقال: هذا هو الإسلام .
…4- لما يعلمه الله - عزّ وجل - من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون المسلمين عن دينهم ، ويعذبونهم هم أنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلصين .
…5- لأن النخوة العربية في بيئة قبلية من عادتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى ، وبخاصة إذا كان الأذى واقعًا على كرام الناس فيهم (87) .
…6- لقلة عدد المسلمين حينذاك ، وانحصارهم في مكة ، وفي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة ، ولا يقدم للإسلام في الأرض نظام ، ولا يوجد له كيان واقعي ، وهو دين جاء ليكون منهج حياة ، ونظام دنيا وآخرة .
…7- أنه لم تكن هناك ضرورة قاهرة ملحة ، لتجاوز هذه الاعتبارات كلِّها ، والأمر بالقتال ، ودفع الأذى ؛ لأن الدعوة قائمة ، وقائد الدعوة موجود ممكن له ، لم يجرؤ أحد على منعه من إبلاغ دعوته ، وإعلانها في ندواتهم ، وتجمعاتهم .