…هذا وإن مما يؤلم القلوب ، ويقطع الظهور هذا الخلاف الواقع بين كثير من المنتسبين للإسلام ، حين غرهم الشيطان ، وضحك عليهم ، فزين لهم الاقتتال فيما بينهم بحرب كلامية ، لا تزيدهم إلا تباغضًا وحقدًا ، وأشغلهم عن النظر في أمور المسلمين ، فلم تؤلمهم دماء الأبرياء من المسلمين ، التي تنزف تحت براثن القهر الكافر ، ولم تقض مضاجعهم أعراض المسلمين التي تنتهك تحت وطأة المجرمين ، ولم يوجع قلوبهم تفشي الجهل في كثير من المنتسبين إلى الإسلام !
…أقول: هذا الخلاف الواقع بين أولئك قد علا سهمه ، وراج سوقه ، ونفقت بضاعته ، رغم أنه خلاف في مسائل اجتهادية ، يعذر المخالف فيها (61) .
…ولقد وُجِد في زماننا هذا أناس قد غرهم الشيطان ، وزين لهم أعمالهم ، فهم يعمهون !
…أناس سموا أنفسهم بالسلفيين ، ورموا غيرهم بالابتداع ، ووصفوهم بالأوصاف السيئة ، والخصال الشنيعة ، ممن لا يصدق عليهم هذا الوصف مطلقًا ، فنشأت عن ذلك حزبية ممقوتة ، وتصعب مذموم ، لا تزال آثارها الموجعة ، تعصف بأبناء الأمة إلى وقتنا هذا !
…وكان مما آلمني وأثار أشجاني وآلامي أنني قابلت أحد السالكين لهذا المسلك المشين ، فحدثني ، وحدثته ، ولم أكن أعرف سلوكه هذا إلا بعد أن أنكر عليَّ أني أحمل بين يدي كتابًا لداعية من أكبر دعاة الإسلام في هذا العصر (62) ، وكأنه مبتدع من أكبر مبتدعي هذا الزمان ، ولم يكن إنكاره عليَّ لشيء إلا لأن شيوخه الذين يتسمون بالسلفيين لا يحبونه ، ولا يقرأون له ، يفعل ذلك رغم أن السَّلف حذَّروا من محاكاة الرجال في اعتقاداتهم وأقوالهم ، وإن كانوا مشهورين (63) .