والرحمن فعلان من رحم كغضبان وسكران من غضب وسكر وكذلك الرحيم فعيل منه كمريض وسقيم من مرض وسقم وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم ولذلك قالوا: رحمان الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا ويقولون: إن الزيادة في البناء لزيادة المعنى . وقال الزجاج ' في الغضبان: هو الممتلئ غضبًا . فان قلت: ما معنى وصف الله تعالى بالرحمة ومعناها العطف والحنو ومنها الرحم لانعطافها على ما فيها . قلت: هو مجاز عن إنعامه على عبادة لأن الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم أصابهم بمعروفه وإنعامه كما أنه إذا أدركته الفظاظة والقسوة عنف بهم ومنعهم خيره ومعروفه . (1)
فان قلت: فلم قدم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى كقولهم: فلان عالم نحرير وشجاع باسل وجواد فياض قلت: لما قال"اَلرحمَنِ"فتناول جلائل النعم وعظائمها وأصولها أردفه الرحيم كالتتمة والرديف ليتناول ما دق منها ولطف (2) .
قول أبو حيان الأندلسي ' (3) :
(1) الرد على هذه الدعوى في الباب الخامس من هذا البحث .
(2) وصاغها شيخ الإسلام زكريا الأنصاري المتوفى سنة 926 هـ .. في كتابه"فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن"... إذ يقول .. قوله عز و جلّ"الرحمنِ الرَحيم"في سورة الفاتحة , كرره لأن الرحمة هي الإنعام على المحتاج , و ذكر في الآية الأولى المنِعم دون المنَعم عليهم , فأعادها مع ذكرهم بقوله"رب العالمين"الخ . فإن قيل:"الرحمن أبلغ من الرحيم فكيف قدمه ؟ و عادة العرب في صفات المدح الترقي من الأدنى إلى الأعلى , كقولهم فلان عالم تحرير . لأنة إذا ذكر الأعلى أولا ثم الأدنى لم يتجدد بذكر الأدنى فائدة خلاف عكسه . قلت:"إن كانا بمعنى واحد كندمان و نديم كما قاله الحوهرى فلا إشكال أو بأن الرحمن أبلغ كما عليه الأكثر , و إنما قدمه لأنه اسم خاص بالله تعالى كلفظ الله"ا.هـ"
(3) تفسيرالبحر المحيط ج1 ص3