فذلك إشارة إلى ما تقدم، وهو أن الرحمة منطوية على معنيين: الرقة والإحسان، فركز تعالى في طبائع الناس الرقة، وتفرد بالإحسان، فصار كما أن لفظ الرحم من الرحمة، فمعناه الموجود في الناس من المعنى الموجود لله تعالى، فتناسب معناهما تناسب لفظيهما. والرحمن والرحيم، نحو: ندمان ونديم، ولا يطلق الرحمن إلا على الله تعالى من حيث إن معناه لا يصح إلا له، إذ هو الذي وسع كل شيء رحمة، والرحيم يستعمل في غيره وهو الذي كثرت رحمته، قال تعالى: { إن الله غفور رحيم } ( البقرة/182) ، وقال في صفة النبي ': { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم } ( التوبة/128) ، وقيل: إن الله تعالى: هو رحمن الدنيا، ورحيم الآخرة، وذلك أن إحسانه في الدنيا يعم المؤمنين والكافرين، وفي الآخرة يختص بالمؤمنين، وعلى هذا قال: { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون } ( الأعراف/156) ، تنبيها أنها في الدنيا عامة للمؤمنين والكافرين، وفي الآخرة مختصة بالمؤمنين.
قال ابن الأثير ' (1) :
رحم في أسماء الله تعالى الرحمن الرحيم وهما اسْمانِ مُشْتَقَّانٍ من الرَّحْمة مثْل نَدْمان ونَدِيم وهُما من أبْنِية المبالغة ورَحْمَان أبْلَغ من رَحِيم والرَّحمن خاصٌّ لله لا يُسمَّى به غير ولا يُوصَف والرَّحيمُ يُوصفُ به غيرُ الله تعالى فيقال رجلٌ رحيمٌ ولا يقال رَحْمن ومنه حديث مكة هي أمُّ رُحْم أي أصلُ الرَّحمة .
قول الزمخشري ' (2) :
(1) النهاية ج 2 ص 210
(2) الكشاف ج1 ص7-6