بقدر ما يعبدون الحياة، وينشدون لذاتها، لا يئوبون إلا بالحرمان والشظف بعد الجهد المتواصل والهم الشديد. والفجيعة الكبرى يوم يودعون الحياة، حاسبين أنفسهم في نقلة إلى أودية الفناء، فإذا هم بعد الموت يشعرون بكل شىء، ويدركون أنهم كانوا في ضلال بعيد مهه"وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين". إننا لا ندرك كنه الروح، ولا سر الحياة في المادة. ولا نحتفى بأوهام"الروحية الحديثة"واتصالاتها المزعومة. ولا نشرح هنا مذهبا معينا عن علاقة الجسد بالروح، وإنما نحن نحدد تحديدا حاسما طبيعة الحياة المؤمنة ومسلكها، وفق تعاليم الوحى وهداية المرسلين. إن الإنسان- حسب تناول الدين له- كل متماسك، وتزكيته المنشودة تشمل جوانب نفسه الظاهرة والباطنة. وقد وجد من مفكرى الإسلام من تحدث عن الروح وحده والبدن وحده وعن النشأة المختلفة لكلا العنصرين. ونحن نعرف قصيدة ابن سينا في الروح: هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تدلل وتمنع وقصيدة شوقى في معارضتها: يا نفس مثل الشمس أنت أشعة في عامر، وأشعة في بلقع فإذا طوى الله النهار، تراجعت شتى الأشعة والتقت في المرجع ونحن لا نتعصب لهذا التصوير وحده، فربما كان لبعض المفكرين رأى آخر في بدء الخلق. وإنما الذى ننبه إليه أن المؤمن لا يعيش لغرائزه الدنيا، ولا لحاجته العاجلة. وإنه واثق من لقاء الله بعد الموت ثقته من وجوده في هذه الدنيا. ص _056