الصفحة 46 من 253

والواقع أن الإنسان المرتبط بالدين، هو الذى يحس نعمة الوجود، ويدرى دراية مطمئنة من أين جاء؟ وإلى أين يصير؟. أما الشخص المادى البحت الذى يؤمن بجسد لا روح معه، ودنيا لا آخرة بعدها، فهو مبتور الحس مشوه البصيرة، وفكرته عن الحياة تهوى بقيمة البشر إلى حضيض بعيد. وأذكر أنى التقيت من بضع سنين بمسخ من هؤلاء، وجرى الحديث بيننا عن الخير والشر والأبرار والفجار، فسرى الفزع إلى نفسى من دمامة الصورة التى في ذهنه عن الحياة والأحياء. فهمت منه أن المجتمع يتخلص من الأشرار كما يتخلص الفلاحون في الحقول من الحشرات المعتدية على لوز القطن بشتى الوسائل الفتاكة، أو كما نتخلص نحن في بيوتنا من الذباب والهوام بالغازات القاتلة. وأن من حق الأحياء بث السكينة في أكناف المجتمع بهذه الطريقة. وأن نهاية أى مجرم لا تزيد عن نهاية برغوث هلك، أو دودة أبيدت، وانتهى الأمر... أما الأخيار، فحقهم المقرر أن نعيمهم الأول والأخير، هو مستوى المعيشة المرتفع!. عدة أكلات شهية، وعدة بدلات حسنة، وساعات من السمر والمرح.. ثم يجثم الكيان الإنسانى كله- بما أوتى من ذكاء لماح ومشاعر طموح- في حفرة داكنة، هى نهايته الأخيرة، لا يفترق عن أية دابة تنفق بالشيخوخة أو تخترم حياتها بإطلاق الرصاص. ألا ما أهون الوجود، وأخسه لو كان محكوما بهذا الإطار الوضيع. ولو أخذنا قطعة من مخ أى ملحد، وسلطنا عليها المجهر لنكتشف آثارا من شعور بالحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والفضيلة والرذيلة، ما وجدنا شيئا قط،! لا ما يتواضع القوم على فعله، أو تركه، لتحسين للسنوات القلائل التى يقضيها الناس على ظهر هذا الكوكب المنحوس. وكأن القدر يعامل هؤلاء الشاردين بنقيض مقصودهم- على حد تعبير الفقهاء- فهم ص _055

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت