الإنسان بين المادية والإيمان من مواريث التربية الدينية في مشاعرنا ووجهاتنا الإيمان بامتداد الحياة، وأن الموت ليس عقبة تقفها، وإنما هو مرحلة تتحول عندها. وهذا التحول الجلل لا ينتقص شيئا من مقومات الشخصية الإنسانية كما أن الإنسان على الأرض، هو هو الإنسان في طور انعدام الوزن الذى سجله رواد الفضاء أخيرا. وهو طور عجيب، يجعل الإنسان البدين في خفة العصفور بل أرق!، من كان يصدق أن الأرض التى تكفت البشر أحياء وأمواتا تدع الإنسان يعوم في الجو على هذا النحو؟. أيا ما كان الأمر، فنحن المؤمنين نعتقد أن الحياة خالدة، وأن الحياة الأخر! تنبت من الحياة الأولى، وأن المرء هو في حاليه جميعا، وأن ما يعرو الجسد من تلاش لا يؤثر في حقيقة الروح، ولا في كيان الإنسان المعنوى، ويعجبنى قول السهروردى، رحمه الله: قل لأصحاب رأونى ميتا فبكونى إذ رأونى: حزنا لاتظنونى بأنى ميت ليس هذا الميت والله أنا أناعصفوروهذ اقفصى طرت منه فتخلى رهنا فاخلعوا الأنفس عن أجسادها فترون الحق حقا بينا لاترعكم سكرة الموت فما هى إلابانتقال من هنا والموقنون بالله واليوم الآخر عندما يدركون الوجود على هذا المدى الرحب، يرتفعون بقيمته ويتقنون فيه، إذ يشكلون أنفسهم وفق مراد الله منهم، ويشكلون الحياة وفق مراد الله لها، ويحسون وهم على ظهر الأرض بأن لهم نسبا في السماء، وأن لهم قرابة تصلهم بأزل العالم وأبده. ص _054