المعرفة الإنسانية التركيز على قضية واحدة هي أن الدين مر بمراحل انتهت - بفعل التطور - إلى نفي فكرة الدين من أساسها.
الباب الثالث: العلمانية في الحياة الأوربية
علمانية الحكم: على الرغم من إقصاء الشريعة المسيحية عن واقع الحياة، فقد كان لها بعض التأثير في النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية،، وكذلك في جوانب من السلوك الشخصي للحكام المسيحيين، وكان للكنيسة آراؤها السياسية مع أنها لم تكن تعبر عن أحكام الدين كما أنزل من عند الله، بل كانت نظريتها أشبه بالنظريات الخيالية التي تتحدث عن مدن فاضلة وهمية، كجمهورية أفلاطون، وهي نظريات لا تجعل الدين هو المنهج الذي تقوم عليه الحياة، والأساس الذي تنبثق منه التصورات والقيم، بل إن الانسجام العقلي والمصلحة الدنيوية المجردة كافية لإقامة المجتمع الفاضل في نظر أصحاب هذه النظريات.
ومن هذه النظريات نظرية العقد الاجتماعي، وأصلها فلسفة"أرسطو"التي تقول إن الإنسان حيوان اجتماعي - وكان"هوبز"يرى أن الإنسان متوحش على أخيه الإنسان بطبعه، فاحتاج الناس إلى ترويض هذه الطبيعة بعقد اجتماعي ملزم، يضمن سلامة الجميع، وهذا العقد هو الدولة أو الحكومة، ثم توالت الإضافات والتعديلات على هذه النظرية على يد"جون لوك"، ومن بعده"جان جاك روسو"ثم أوحت هذه النظرية بفكرة"الوطنية أو القومية".
وكان من هذه النظريات كذلك نظرية الحق الإلهي التي كانت سائدة قبل الإسلام، وخلاصتها أن الملوك كانوا يستعبدون الناس زاعمين أن لهم سلامة عرقية خاصة أسمى من العنصر البشري، وغلا بعض الطواغيت فادعى أنه إله، أو من نسل الآلهة كما فعل أباطرة الروم، فلما جاء الإسلام نسف هذه الفكرة، ورد العبودية كلها لله وحده، وظهر فلاسفة يؤيدون نظرية الحق الإلهي، أمثال"هوبز"وجروتس.
وفي القرن التاسع عشر تطورت هذه الفكرة على يد هيجل الذي وصل بين العقائد المسيحية وبين النظريات الفلسفية المجردة، فتحول الدين على أيديهم إلى فكر ومنطق، فتحول"الله"إلى مطلق، والوحي إلى معرفة