الحديث)، وزعم فيه أن الإنسان اختلق فكرة الله إبان عصور عجزه وجهله، أما الآن فقد تعلم وسيطر على الطبيعة بنفسه، فلم يعد بحاجة إليه، فهو العابد والمعبود في آن واحد.
وكان من آثار الداروينية نفي فكرة الغاية والقصد، فقد تولد من التأثر بنظرية التطور فكرة المصادفة، وكان من المدهش أن يوجد ممن يسمون علماء من يعتقد أن الكون بدقته المذهلة وعظمته الهائلة وجد صدفة واعتباطًا {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} .
وكان من آثار تلك الموجة العاتية من الإلحاد أن تزعزعت قيمة الحياة في نظر الناس، واستبد بالكثيرين شعور يائس قانط، وسيطر الإحساس بالضياع، وترك هذا الشعور آثاره على الأدب الأوروبي في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى بصفة خاصة.
وكان من آثارها أيضًا ذلك الإيحاء القوي بحيوانية الإنسان، وفقدانه الشعور بكرامته ومركزه في الوجود، كما كان من آثارها الإيحاء بمادية الإنسان أي خضوعه للقوانين المادية فحسب، وهي الإيحاءات التي استمد منها أساطين النظرية الشيوعية أصولهم كاليهودي كارل ماركس الذي استمد من حيوانية الإنسان ما نادى به من مطالب الإنسان الرئيسية وهي (الغذاء والسكن والجنس) ، ثم جاء اليهودي دور كايم الذي جمع بين حيوانية الإنسان وماديته بنظرية العقل الجمعي، الذي تقول: إن الإنسان حيوان خاضع"لجبرية اجتماعية"، ثم جاء فرويد بنظرية التحليل النفسي، حيث استمد من حيوانية الإنسان من الولادة حتى الوفاة تفسيرًا حيوانيًا بشعًا، فهو يرى أن الدافع الجنسي هو دافعه الوحيد، فالمولود يرضع ثدي أمه بدافع جنسي، ويتبرز بدافع جنسي، ويظل يتعامل مع الآخرين بناء على هذا الدافع وحده. بل الدين والأخلاق والمثل العليا كلها نابعة من هذا الدافع.
وكان من آثار الداروينية كذلك شيوع فكرة التطور الحتمي المطلق في أوربا، وحسب الناس أن كل تغير - وإن كان انتكاسة وانحطاطًا - تطورًا مطلقًا، ونجد أن الشيوعية استمدت تفسيرها المادي للتاريخ من فكرة التطور الحتمي، وأن التطور في المجتمع الإنساني يستلزم تطور الإنسان في نظرته للدين، وتولى علماء الاجتماع والنفس والأخلاق وسائر ميادين