الصفحة 22 من 41

ثم جاء"نيوتن"وظهرت نظريات علمية هزت الكنيسة وأثارتها، كان من هذه النظريات القول بأن من الممكن تفسير ظواهر الطبيعة بربط بعضها ببعض دون حاجة إلى تدخل قوى خارجية عنها، وكانت هذه النظرية بمثابة النواة للمذهب الطبيعي والنظرية الميكانيكية.

حاربت الكنيسة هذه النظرية على أساس أنها أهملت الاعتقاد في أن الله هو الذي يسير كل حركة في الكون، ولم يتسع أفق الكنيسة لإدراك أن نسبة الأفعال إلى الأسباب والوسائط لا يلزم منه إنكار نسبتها إلى الله تعالى باعتباره الفاعل الحقيقي، لكن الكنيسة دأبت على محاربة كل جديد، فترتب على ذلك جنوح أصحاب النظرية برد فعل أهوج، فأنكروا عمل العناية الإلهية، وأعلنوا أن كل ما عرفت علته المباشرة فلا داعي لافتراض تدخل الله فيه - حسب تعبيرهم -.

كان اندفاع الباحثين والعلماء في مواجهة الكنيسة والانفكاك من ربقة رجالها المتغطرسين يعبر بشكل صريح بكفرهم بالكنيسة وبرجال الدين، وساعدت نظرية نيوتن على إيجاد فكر لا ديني منظم، وربما كانت النظرية قد مهدت للثورة الفرنسية، وفتحت الطريق أمام نظرية دارون التي كانت إيذانًا بأفول نجم الكنيسة، وانتهاء وصايتها الفكرية على أوربا، وولادة آلهة جديدة لا كنائس لها.

ثم ظهر في القرن الثامن عشر روح جديدة عمت الباحثين والفلاسفة والعلماء، دار محورها حول العقل والطبيعة، وتعالت الأصوات بتضخيم دور العقل، وبأنه الحكم على كل شيئ، وأن ما عداه فوهم وخرافة، فالوحي يخالف العقل، فهو أسطورة كاذبة، وصار لزامًا على الذين نبذوا الإيمان بالله كلية أن يبحثوا عن بديل فوجدوه في الطبيعة، فخلعوا على هذا المسمى كل صفات الله التي عرفوها في المسيحية مع فارق بين الإلهين في نظرهم.

فإله الكنيسة يبطش ويعذب ويفرض القيود، أما إله الطبيعة فجذاب ليس له كنيس ولا يفرض طقوسًا ولا صلوات ولا رجال دين يستعبدون الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت