الصفحة 21 من 41

وجاء بعده"برونو"بتأكيد نفس النظرية، فسجنته الكنيسة فأصر على رأيه فأحرقته، ثم جاء جاليليو فأيد النظرية فلقي في السجن العذاب والمهانة، وكاد أن يلقى نفس مصير برونو لولا أنه خشي على حياته فأعلن ارتداده عن أفكاره وركع ذليلًا أمام رئيس المحكمة، وراح يلعن ما توصل إليه ويصفه بالإلحاد، وتعهد بالإبلاغ عن كل ملحد يوسوس له الشيطان بتأييد مثل هذه الأبحاث المضلله!!

وبعد مدة من الزمن راجت تلك النظرية الفلكية، وهبطت أسهم الكنيسة، وطالب العلماء ودعاة التجديد بتقديس العقل واستقلاله بالمعرفة بعيدًا عن الوحي، ثم ظهر ديكارت فدعا إلى تطبيق المنهج العقلي في الفكر والحياة، واستثنى الدين تحت الرهبة من الكنيسة التي لم يزل لها نفوذ وسطوة.

وهذه الازدواجية في الفلسفة والنظر العلمي، والفصل بين العلم البشري والوحي الإلهي ظهرت أيضًا في منهج"بيكون"التجريبي، الذي كان يمثل مرحلة طبيعية في سلم التدرج من الإيمان المطلق بالوحي إلى الإنكار المطلق له.

بيد أن بعض الفلاسفة آثر الدخول المباشر على آراء الكنيسة وإخضاعها، للمنهج العلمي، ومن هؤلاء"سبينوزا"اليهودي الذي وضع أسس مدرسة النقد التاريخي.

وقد أعمل سبينوزا منهجه بدراسة الكتب الدينية بنفس المنهج الذي تدرس به الروايات التاريخية، واستنتج أن أسفار التوراة لم يكتبها موسى، وإنما كتبت بعده، ثم جاء باسكال ووجه النقد لعقيدة الخطيئة، ثم جاء"جون لوك"فكان أبلغ من ديكارت في المطالبة بإخضاع الوحي للعقل عند التعارض، ثم دعا إلى التسامح الديني، وإفساح الطريق أمام الناس ليعتنقوا ما شاءوا من الأديان.

على أن كل ذلك كان يظهر بتلطف وحذر حيث كانت الكنيسة تتربص بأصحاب تلك الأفكار، وتخيفهم بمحاكم التفتيش، وقد تعرضت كتب هؤلاء العلماء للحرق والمصادرة، كما تعرضوا هم للإيذاء والمضايقة من قبل الكنيسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت