الصفحة 20 من 41

تمكن من احتلال مساحات من مناطق نفوذ الآخر، فالمناطق التي احتلها العلم من مناطق نفوذ الدين هي في الحقيقة المواقع التي انتصر فيها العقل واليقين على الخرافة والوهم، كما أن المواقع التي صمد فيها الدين أمام الهجوم العلمي الكاسح هي المواقع التي انتصرت فيها الحقيقة الموحاة على التخرصات والأهواء.

ويلخص المؤلف هذه الفكرة في عبارة موجزة فيقول: إن الحق في كل من الطرفين هو الذي انتصر أو سينتصر على الباطل في كليهما، وأنه لو كان الدين الأوروبي يقينًا مجردًا والعلم الأوروبي يقينًا مجردًا لما حدثت معركة على الإطلاق، ويضيف: إن الدين بصبغته الإلهية النقية لم يدخل المعركة، ولهذا فإن الأوفق أن نسمي ما حدث في الغرب صراعًا بين الكنيسة والعلم وليس بين الدين والعلم.

ثم يبين أن جناية رجال الدين الأوربيين على الحقيقة كانت أشنع وأنكى من جناية أنصار العلم عليها، ذلك أن الكنيسة ارتكبت خطأين فادحين: أحدهما تحريف حقائق الوحي الإلهي وخلطها بالفلسفة والأهواء، والآخر فرض الوصاية الطاغية على ما ليس داخلًا في نطاق اختصاصها.

كانت أوربا مستغرقة في دياجير الخرافة والجهل، فعرفت الطريق إلى النهضة العلمية التي كانت تشع من الحضارة الإسلامية في الأندلس وصقلية، فاستيقظ العقل الأوروبي من سباته وأخذ يقتبس عن المسلمين طرائق البحث ومناهج التفكير، وهنا ثارت الكنيسة، وهاج هياجها على أولئك الذين يتلقون علوم الكفار (المسلمين) !، ويلتفتون عن الكنيسة وتعاليمها فأعلنت حالة الطوارئ وشكلت محاكم التفتيش، فاشتعلت المعركة، وازداد أوارها بمرور الأيام.

ثم استعرض المؤلف مراحل ذلك الصراع فتحدث عن النظرية التي هزت الكنيسة وأذهبت قدرًا كبيرًا من ثقة أتباعها فيها، وهي النظرية الفلكية التي قدمها كوبرنيق 1543 م وخالف فيها ما كانت الكنيسة تعتقده من أن الأرض مركز الكون وأن الأجرام السماوية كافة تدور حولها، ولم ينج من محاكم التفتيش لأنه كان قسيسًا بل لأن المنية أدركته بعد طبع كتابه بقليل، فأفلت من عقوبة الكنيسة، التي حرمت كتابه، واعتبرته من وساوس الشياطين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت