الصفحة 19 من 41

الطغيان المالي:

بين المؤلف أن الأناجيل على ما فيها من تحريف كانت قاطعة في الدعوة إلى الزهد، والتنفير من التهالك على ملذات الدنيا لا سيما جمع المال والافتتان به، وأن المسيح عليه السلام كان أسوة حسنة في ذلك فقد عزف هو وحواريوه عن الدنيا عزوفًا صادقًا بينما كان القوم من اليهود ينظرون إلى الدنيا نظرة جشع لا ينتهي وشره لا ينقطع.

وجاءت القرون التالية فشهدت مفارقات عجيبة بين مفهوم الكنيسة في هذا الأمر وبين واقعها العملي، فبينما كانت تحرم ما أحل الله من الطيبات متأثرة بتلك النظرة التشاؤمية للحياة الدنيا كانت سيرتها الذاتية مخزية، حيث تهالكت على الدنيا وامتصت دماء أتباعها وعاش رجالها في بذخ متناه، وكانت أملاك الكنيسة الإقطاعية من الأراضي تفوق كبار الإقطاعيين في أوربا، حتى بلغت ممتلكاتها الإقطاعية ثلث أراضي إنجلترا، كما كانت تأخذ الضرائب الباهظة من الباقي من الأرض، كما فرضت الكنيسة العشور على غلات الأراضي الزراعية والمهنيين، ولم تكتف الكنيسة بالأوقاف والعشور بل فرضت الرسوم والضرائب، كما كانت تحظى بالكثير من الهدايا والهبات التي كان الأثرياء يقدمونها لها للتملق أو الرياء أو ما كان منها على سبيل الصدقة والإحسان، وفوق ذلك كانت هناك المواسم المقدسة والمهرجانات الكنسية التي كانت تدر على الكنيسة أموالًا طائلة، كما كانت الكنيسة ترغم أتباعها على العمل المجاني في حقولها وفي مشروعاتها لا سيما بناء الكنائس والأضرحة، كان كل ذلك يملأ نفوس الناس جميعًا بالسخط إلا أن الظروف لم تكن مواتية لإعلان هذا السخط أو التعبير عنه بشكل صريح.

الفصل الثاني: الصراع بين الكنيسة والعلم

بين المؤلف في هذا الفصل أن الصراع الذي نشب بين العلم والدين كان من أعقد وأعمق المشكلات في التاريخ الفكري الأوربي، ورغم كل الظواهر البارزة في الحياة الغربية التي تؤكد أن المعركة قد حسمت لصالح العلم، فإن هناك ما يدل على أن الدين أو بعض قضاياه الاعتقادية والسلوكية لا يزال موجودًا، وأن المعركة لم تحسم نهائيًا، بل هي مستمرة، وأن كل طرف من الطرفين قد حقق في هذا الصراع ثباتًا وصمودًا، أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت