لكن هذا هو الذي حدث من الكنيسة، حيث تناحر البابوات مع الأباطرة على النفوذ، والقبض على مقاليد الأمور في المجتمع، ولم يفتأ البابوات يعلنون أن الكنيسة - بوصفها نظامًا إلهيًا - خليقة بأن تكون صاحبة السلطة العالمية، ومن حق البابا وواجبه أن يخلع الملوك غير الصالحين، أو يرفض اختيار البشر للحكام.
ظلت الكنيسة على هذا الحال من السلطة الروحية البالغة، والهيكل التنظيمي الدقيق والاستبداد المطلق، فكان البابوات هم الذين يتولون تتويج الملوك والأباطرة، كما كان بإمكانهم خلع الملوك وعزلهم بإرادتهم المحضة، ومن رفض الرضوخ لأحكام البابوات أسقط البابوات عنه الشرعية وأعلنوا الحرب عليه.
ولعل خير مثال على ذلك يعرضه علينا المؤرخ البريطاني"ويلز"، وكذلك"ديورانت"في (قصة الحضارة) وهو حادثة الإمبراطور الألماني (هنري الرابع) المشهورة مع البابا جريجوري السابع، فقد جرى بينهما خلاف فظن الإمبراطور أن بوسعه أن يخلع البابا فرد البابا بخلعه، وألب عليه أتباعه والأمراء، فعقد الأمراء مجمعًا وقرروا فيه أن الإمبراطور سيفقد عرشه إلى الأبد إذا لم يحصل على عفو البابا، وخضع الإمبراطور وأذل نفسه وسافر مجتازًا جبال الإلب في برد الشتاء القارس، وظل واقفًا في فناء القلعة ثلاثة أيام وهو في لباس الرهبان متدثرًا بالخيش، حافي القدمين، عاري الرأس، مظهرًا كل علامات المسكنة والتوبة حتى ظفر بالمغفرة، وحظي برضا البابا!
وأشار المؤلف إلى نماذج من التحديات التي كانت تصدر من بعض الملوك تجاه الكنيسة لكنها كانت تتحطم أمام نفوذ الكنيسة وطغيانها، وكان من أشهر هؤلاء الملوك الذين قاوموا هذا الطغيان الإمبراطور"فردريك الثاني"الذي عرف بصلابته التي عزاها المؤرخون إلى ثقافته العربية والإسلامية حتى اتهمته الكنيسة بأنه اعتنق الإسلام وسمته الزنديق الأعظم، فدافع هذا الإمبراطور عن نفسه برسالة عدت وثيقة هامة في وصف الصراع بين البابوات والملوك، أو الصراع بين الكنيسة والعلمانيين الذي كان يثور ويتأجج، فكان موقف فردريك ظاهرة فذة، لكنها لم تصمد أمام قرارات الحرمان، وسطوة الكنيسة الباغية.