ولو تتبعت المسألة عقليًا، ونظرت في اختيار زيد بن ثابت دون غيره من الصحابة، وبدأت من هذه النقطة = لانكشف لك الأمر، فلأبد معك مفقِّرًا هذه الأفكار كما يأتي:
1 ـ لا يجوز البتة ترك شيء من القرآن ثبت أنَّه نازل من عند الله، وأنَّ الرسول (قرأ به، وأقرأ به الصحابة، وقد مضى الإشارة إلى ذلك.
2 ـ أنَّ القرآن قد كُتِبَ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مفرَّقًا في الرقاع واللخف والعسب، ولم يكن مجموعًا في كتاب.
3 ـ أنَّ القرآن كان متفرقًا في صدور الرجال، وهم على درجات في مقدار حفظه، قال زيد بن ثابت: (فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال) .
4 ـ أنَّ من أسباب اختيار زيد بن ثابت ما ذكره أبو بكر الصديق رضي الله عنه، قال زيد: (وقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، لا أتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن واجمعه) .
فكان في هذا ما يميِّزه على متقدمي قراء الصحابةِ، أمثال أبيِّ بن كعب، وأبي موسى الأشعري، وسالم مولى حذيفة وغيرهم.
كما كان هذا ما ميَّزه على ابن مسعود خصوصًا، الذي جاء في الآثار أنه حضر العرضة الأخيرة، وقد كان اعترض على عدم إشراكه في جمع القرآن في عهد عثمان.
5 ـ أنَّ زيدًا الذي هو من أعلم الصحابة بالعرضة الأخيرة = سيكتب في المصحف الذي أمره أبو بكر بكتابته ما ثبت في هذه العرضة، ولن يترك حرفًا ثبت فيها من عند نفسه أو بأمر غيره.
ومن هنا يكون مصحف أبي بكر قد حوى ما بقي من الأحرف السبعة التي ثبتت في العرضة الأخيرة.
ولما جاء عثمان، وأراد جمع الناس على المصحف، جعل مصحف أبي بكر أصلًا يعتمده، وقام بتوزيع الأحرفِ التي تختلفُ القراءة بها في هذه المصاحف، فكان