القوانين الغربية من أحدث ما وضعه التشريع الأجنبى الحديث فأقول: ص _070
لما فتح العرب الأمصار في صدر الإسلام كان في وسعهم أن يخضعوا أهلها جميعا في أقضيتهم لأحكام الشريعة الإسلامية، سواء في ذلك من اعتنق منهم دين الإسلام ومن بقى على دينه، لأن من حق الغالب أن يخضع المغلوب لحكمه، ومن حق كل دولة أن تجعل قوانينها سارية على جميع رعاياها. ولكن دين الإسلام يأبى التحكم في عقائد الناس، ويأمر بتركهم وما يدينون يحتكمون في أقضيتهم لقاضى دينهم ليحكم بينهم بحكم دينهم، فقد جاء في القرآن الكريم في شأن الذميين ما يأتى: (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين * وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين * إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) (وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين * وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) هذه هى السياسة التى جرى عليها الإسلام في حكم البلاد التى خضعت لسلطانه، وقد كانت هذه السياسة الحكيمة التى سار عليها العرب في فتوحاتهم المصدر الفقهى لأحد القواعد الأساسية للقانون الدولى الخاص وهى قاعدة"شخصية قوانين الأحوال الشخصية"التى تقررت في بلاد الغرب لأول مرة في مجمع"أكسفورد"سنة 882 1، وفى مؤتمر لاهاى سنة 1904، وأخيرا في اتفاقية"مونترو"سنة 1931 وعلى ذلك فحكم الإسلام يقضى: أولا: بأن القاضى الشرعى يختص بنظر قضايا غير المسلمين إذا تراضوا على حكمه، وبذلك يصبح اختصاصه في هذه الحالة بالاصطلاح الحديث"اختصاصا"