من السنة ما هو متواتر لا يقل في ثبوته عن القرآن الكريم نفسه كهيئات الصلاة مثلا. ومنها ما هو متواتر المعنى. أي أن النقول تجىء بوقائع شتى، وألفاظ متفاوتة، ولكن ينتظمها جميعا قدر مشترك من المعانى.. ومنها ما جاء بأسانيد آحاد. والإسناد- وإن شاع الجهل به الآن- إلا أنه شىء خطير في حقيقته وأثره. ولذلك قال العلماء: الإسناد من الدين لولاه لقال من شاء ما شاء!! وذلك أن المسلمين متفقون على أن ما أمر به الرسول، أو نهى عنه يجب أن نطيعه فيه. فذلك حقه بل حق الأنبياء كلهم: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) . والاجتهاد بين الناس إنما يحدث في معرفة هل قال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك أو لم يقله.. ولا شك أن العقائد كلها، وجمهرة الأحكام التى هى عماد الدين بلغت الناس بطرق مشهورة لا محل للجهل بها. بيد أن هناك أحكاما جاءت عن طريق سنن الآحاد التى أشرنا إليها آنفا. ونحن هنا نريد أن ننظر بإنصاف، وفى حياد تام إلى أسلوب المسلمين في تلقى هذه السنن. هل هو أسلوب يتسم بالمجازفة والتراخى، أم هو أسلوب يتسم باليقظة والدقة؟؟ ولنضرب مثلا بالأخبار التى تذاع عن الرؤساء الكبار في عصرنا!. هب أن مستشار رئيس الولايات المتحدة أدلى بتصريح عن رأى الرئيس في قضية ما، فنقل هذا التصريح رجل من الحاشية، ثم تلقفه أحد الصحافيين فنشره، ما تكون قيمة هذا الخبر؟ نجيب بأنه يحتمل الصدق والكذب، ولا يترجح إلى إحدى الناحيتين إلا إذا عرفنا قيمة المصدر الذى أتى منه هذا النبأ. فإذا عرفنا أن الخبر نقلته الصحيفة بالفعل عن رجل الحاشية، عن مستشار الرئيس مباشرة، وكان كل واحد من هؤلاء مشهورا بأمرين: الضبط التام لما يسمع، والصدق التام فيما ينقل. فما يكون رأينا في هذا الخبر؟ أنصدقه أم نكذبه؟ الجواب: أننا نتجه إلى تصديقه. وذلك هو ما يطلب علماء المسلمين توافره في الخبر ليكون صحيحا، وتُقبل نسبته لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . ص