وكان الصحابة يسمعون من رسولهم أن الأرض ستستسلم لهم، وأن فلك كسرى وقيصر سيتلاشى بين أيديهم. أجل، لقد سمعوا هذا الرسول يحلف:"والله لتنفقن كنوزهما في سبيل الله". ولقد انطلقوا بعد موته إلى هذه الإمبراطوريات الشاهقة، وكأنهم على موعد مع الفتح، ما خالجتهم ريبة في أن النصر مكتوب لهم.. حين رأى المسلمون إيوان كسرى يلوح أمامهم أبيض ناصعا، تذكروا وعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ - على ما رواه مسلم، عن جابر بن معمرة- أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"عُصيبة من المسلمين يفتحون البيت الأبيض بيت كسرى"أو آل كسرى، فقويت قلوبهم، وعظمت همتهم، وازداد إقبالهم، واشتاقت نفوسهم إلى أن يكونوا تلك العُصيبة، ونادى ضرار بن الخطاب"الله أكبر"هذا أبيض كسرى، هذا ما وعد الرحمن وصدق رسوله، وكبر المسلمون وفتحوا المدينة. ونزل سعد إلى القصر الأبيض، واتخذه مصلى، وصلى وقرأ في صلاته قوله تعالى: (كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما آخرين ) إنه ليس ملك كسرى وقيصر فقط، بل العالم أجمع سوف يهتدى إلى الإسلام، ويستريح إلى هديه، ويكسر القيود التى تحجزه عنه، كما روى أحمد وغيره عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال:"ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز، أو بذل ذليل.. عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر". فكيف يقال بعد هذا وذاك أن محمدا لما أسس دينه لم يكن يدرى ما يفعله، ولا ما يصير إليه أمره، ولا أن العالم سيدخل فيه؟ وكيف يرتب"جولد تسيهر"على هذا الوهم أن الإسلام ليست به الصلاحية الفقهية كى يشرع للأم والأجناس، إنه كسيارة، ملأها صاحبها"بجالون من البنزين"يكفى للسير عشرين أو ثلاثين ميلا ثم ينتهى الوقود، وتقف الرحلة، وعلى من يريد استئناف السير أن يجىء بوقود من عنده!