الصفحة 42 من 228

وأولى الناس بهذا الاتهام من يدينون بالحلول، ويمزجون بين الألوهية والبشرية في عقائدهم. لقد رأيت كيف ترادفت الدلائل على أن محمدا بشر وحسب. بشر يزينه سناء الخلق، ويعصمه وحى الله. بشر تلتمس القدوة الصالحة من مسالكه في السر والعلن. ولقد رأيت هدى اكتماله البشرى في عبادته وقيادته جميعا. ويبين القرآن الحكمة من جعل الرسول إنسانا لا ملاكا، فيذكر أن ذلك يرجع إلي حاجة البشر لمن يستطيعون التلقى عنه والسير وراءه. (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا * وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا * قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا) ومكان الأسوة في حياة الرسول ظاهر. فعن تقليده أخذت أركان الإسلام العملية من صلاة وصيام وحج. وعن محبته واقتفاء أثره تخرج من الصحابة من لا تعرف الحياة لهم نظيرا. والغريب أن هذا المستشرق يقول بخبث عن الرسول الكريم: إنه"لم يشعر في نفسه أنه قديس"! نعم إن محمدا لم يصف نفسه، ولا وصفه أتباعه، بهذه الكلمة الشائعة بين النصارى. لكن في تلامذة محمد من تشهد سيرتهم بأنهم أزكى قلبا وأرشد عملا من أولئك القديسين المزعومين. على أن هذه الكلمة إن كانت تعنى حلول روح الله في إنسان فهى عنوان على إفك كبير وإثم مبين. فإن محمدا جاء من عند الله لينزهه عن هذه الأفكار المختلة الضالة. ولهذا حرص على وصف نفسه دائما بأنه عبد الله ورسوله. والوصف بالعبودية حقيقة تشرف رسل الله كلهم، ما يترفع عنها موسى ولا عيسى ولا محمد. ومن زعم أنه جزء من الله فهو كاذب، ومن زعم أن روح الله حل فيه فهو أكذب. ص _046

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت