الصفحة 40 من 228

كابرا عن كابر هداية الخلق ونصرة الحق، فأنقذوا الناس من أنفسهم وعرفوهم ربهم. ص _043

ولكن محمدا كان بشخصيته، وطبيعة رسالته، إمام الأنبياء، وكان بحق سيد الدعاة إلى الله. فما سر هذه العظمة؟ وبم كان هذا الفضل المبين؟ السر في هذا أن محمدا الرسول كلف أن يغرس في قلوب من حوله إيمانا لا تستخدم في غرسه إلا الوسائل المقدورة لطاقة البشر. وقد استطاع ذلك من غير أن تتبدل الأرض كير الأرض. على عكس ما حدث على عهد موسى مثلا، إذ رفع الطور فوق رؤوس الناس ليؤمنوا بالته ويعطوا على ذلك الموثق! (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) وكما كان نبينا بين أتباعه بشرا رسولا، فقد كان كذلك مع أعدائه، لم تسخر ضدهم قوى السماء على كثرة ما لحقه منهم من إيذاء. على عكس ما حدث لموسى فقد نكل الله بأعدائه تنكيلا قاهرا، إذ مسخهم قردة وخنازير: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين * فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين) . وليس يفهم من ذلك أن حياة الرسول كانت خلوا من الخوارق، لا، فإن النبوات قائمة على أن تقترن بالخوارق في الكثير من مظاهرها. إنما المهم أن تأسيس اليقين في قلوب الموقنين، واستئصال العدوان من نفوس المعتدين، كان العامل الفعال فيه بشرا اكتملت في خلقه وخلقه عناصر الكمال الإنسانى ، وانتهت إلى شخصيته أمجاد الفطرة البشرية الناصعة فكان أتباعه من أعمق الناس حبا له، لأنه أهل لكل حب، وكان أعداؤه من أشد الناس تهيبا له لأنهم يدركون أن أمامهم بطولة يعز تناولها، ويصعب الكيد لها. وكان هو في محبته للمؤمنين برا ودودا، تنبثق من فؤاده النبيل عواطف جياشة لا ينضب معينها، ولا يعتكر صفوها، اتسعت للسابقين واللاحقين من أمته، من رآهم ومن لم يرهم . ص _044

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت