ومن هذه السيرة يشيم العامة والخاصة أضواء الكمال في كل ناحية من نواحى الرسالة الإسلامية التى انتظمت السلوك الحيوى أجمع.. ونماذج الكمال التى تحققت في هذا الرسول تبدو وكأنها أعمال بشرية مضيئة وحسب، أو كأنها أعمال ميسورة الأداء، وقد شاء الله أن تبدو كذلك لتتم بها الأسوة المنشودة. وإلا فهى تشبه الشمس، يحسبها الناظر على مدى أميال منه، وبينه وبينها أبعاد وأبعاد.. هذا النبى جاهد في الله جهادا كبيرا، ونحن مكلفون أن نجاهد في الله، وألا تذهلنا مشاغل العيش، ومعاشرة الزوجات والأولاد عن العمل للحق، والتضحية من أجله.. إن الأسوة في هذا الجهاد لا تصلح في قليل أو كثير لو كان هذا النبى ملكا من السماء، أو بشرا تخلخلت فيه الخصائص الإنسانية. لكن عندما نتصور هذا النبى أبا لبنات.. ثم نتصور أنه- وهو يدعو إلى التوحيد في بيئة مشركة- تعرض للسخرية والهوان. ثم نمضى في ملاحظة هذا اللون من جهاد الدعوة، فنرى الرسول الوالد يتعرض- وهو ساجد يصلى في المسجد الحرام-، إلى أن يلقى عليه زعماء مكة كرش حيوان ذبيح ليتسخ، ويضحك المشاهدون منه.. ثم تجىء ابنته إلى أبيها الذى علقت به الأقذار لتنحى عنه القذى. إن البنت في أية أسرة تحب أن تعيش في بيت عزيز مصون، وتحب أن يكون أبوها فوق الإهانات، ولكن الأمر هنا يدعو إلى الألم. فإذا تركت هذه الصورة، ورأيت بنتا أخرى لهذا الرسول تترك مكة بعد الهجرة، وهى حامل فيتبعها بعض السفهاء ويزعجونها حتى تجهض، ويجىء للرسول الوالد هذا النبأ، فيتلقاه بصبر المؤمن الذى يتحمل في ذات الله كل شىء.. ثم لا تزال تدقق النظر في حياة هذا الرسول الإنسان، فتتلاحق أمامك الصور، لبشر كبير يشق طريق الكمال شقا، ويبلغ فيه المدى، وهو هو الإنسان الذى يكابد ما يكابد غيره من طبائع الحياة الأرضية.. ممن تؤخذ الأسوة إذن إن لم تؤخذ من هذا الإنسان العابد المجاهد؟"لله عز وجل رسل كثيرون قاموا بواجب الدعوة إليه، وتوارثوا"