يصلح للقيام بها، ويستطيع السير مع نهجها وهدفها، هو محمد وأمثاله من أولى الأيدى والأبصار. وقد شاء الحق أن يمنع الجاهلين والجاحدين فرصا لا حصر لها كى يثوبوا إلى رشدهم، وكى يتخلصوا من قيود وجهالات الذين سبقوهم. ففى مكة تسمع النبى يدعو المشركين إلى توحيد الله، ثم يقول لهم- بعد أن أفهمهم هذه العقيدة أجود الفهم- لا عذر لكم من الله بعد هذا البيان، فقد أصبحت أنا وأنتم في العلم به سواء. هذا معنى قوله تعالى: (قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون * فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون * إنه يعلم الجهر من القول و يعلم ما تكتمون * و إن أدري لعله فتنة لكم و متاع إلى حين) . قال المفسرون:"آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ"أى هذا بلاغ نستوى جميعا- نحن وأنتم- في العلم به لا نستبد به دونكم، وذلك كى تتأهبوا لما يراد بكم. هذا الجو من الصراحة المطلقة هو الجدير بسياسة الدعاة إلى الله. فإذا انتقل الرسول إلى المدينة، ووجد يهودها يريدون معاملته بطريقة التآمر والخداع فليس بغريب أن يعاف هذه الأخلاق الملتوية. وليس بغريب أن يتنزل عليه الوحى الأعلى يحدد له مسلكه مع أولئك اليهود، وهو مسلك ليس بجديد في أسلوب الدعوة الذى بدأ في مكة صريحا لا يقبل إثارة من غموض كما رأيت. قال تعالى: (و إما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين * ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون) . فانظر- رعاك الله- إلي المستشرق التافه كيف يجىء إلى هذا الجو النقى الطهور، كما تجىء آلة خربة لتنفث دخانها وسط بستان فواح بالعطور. إنه يزعم أولا أن محمدا قوَّل الله هذه الآيات التى تدل على نفسيته. ثم يزعم ثانيا أن هذه النفسية التى تعاف الخيانة، إنما تعافها سياسة لا شرفا وطهرا وسناء، وقال- قبحه الله- (ص 38) : ص _040