الصفحة 35 من 228

لقد كُتبت سيرة محمد من مولده إلى وفاته في سرد مفصل، لم يؤثر مثله عن بشر آخر، وأحصيت الكلمات والأعمال التى قام بها إحصاء شاملا في دواوين السنة. إذ أن هذه السنة المتبوعة دين. ولم يحدث مثل هذا لرجل من رؤساء الدين، ولا من زعماء الدنيا... وهذه الثروة الهائلة من العبادات والأخلاق والسياسات والأحكام مركومة في مواطنها ومعروضة للناظرين. وهى على طول النقد والتأمل، والدرس والمتابعة تكشف عن حياة رجل لا نظير له أبدا. إنك عندما تطالع هذه الحياة، في ضوء الواقع وحده، ودون أدنى تزيد أو مغالاة، تشعر بأنك أمام نماذج الكمال البشرى مجسدة. وشىء آخر اختص به محمد، أنه يصف الكمال ويدربك على بلوغه. وإنك لتشعر في أثناء مسيرك على الدرب، أنك وراء رجل سبق أن شق الطريق ومهده للسائرين خلفه. وهذا معنى قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) وهى الآية التى وقف أمامها هذا المستشرق بنفس معتلة فما فقه ولا صمت..!! ويمضى هذا الرجل في غله الأسود على صاحب الرسالة، فهو إذا بهره مسلك ينطوى على الوفاء والشرف، أخذ يدور حوله ليختلق له تفسيرا ماديا، أو سببا نفعيا. وبذلك يبدو التطرف الغالى، وكأنه وحى ظرف خاص، لا دلالة خلق أصيل. لقد عرف محمد بالصادق الأمين في الجاهلية والإسلام معا. ولو لمح أعداؤه ذرة من خلل في سلوكه الخاص أو العام لطاروا بها في كل فج. ولكن الرجال الذين يصنعهم الله على عينه يختارون أولا من معدن نفسى خاص. ثم ينفون وسط سياج من العصمة فلا يتطرق إلى أفعالهم ما يشين أبدا. ومحمد- رغم أنف المفترين- هو سيد هؤلاء المختارين. ولما كانت الدعوة إلى الله لا تصلح إلا بأسلوب شريف لأنها دعوة إلى نور السماوات والأرض، وليست دعوة إلى زعامة أرضية كدرة، أو عصبية قومية عفنة، فإن الذى ص _039

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت