تصحيح وجودهم، والجرأة على الباطل، والاستقتال في كسر شوكته وتقليم أظافره. ذلكم هو محمد الإنسان الكامل. إن كل ما تصبو إليه الإنسانية من أمجاد عرف في حياة هذا العابد الراهب، والمجاهد الفارس، والقاضى المقسط، والحاكم المنصف، والتاجر الشريف، والزوج الرقيق، والصديق الوفى، السمح إذا ملك، والعافى إذا قدر، والمهيب إذا اقترب، والعظيم في أحواله كلها ما ظهر منها وما بطن. إن المثل العليا خيالات يحسن نسجها الفلاسفة والأدباء. وربما أبرزوا للناس معالمها وهم في أبراج عاجية، أو في صوامع قصية.. لكن محمدا مشى على الثرى، واشتبك مع وعثاء الطريق، وضراء العيش، وخالط من يحب ومن يكره، وأحس الجوع والسهر. والفقد والقلق، والغربة والوحشة. وفى مكابدته لأسوأ ما تمر به الإنسانية من ظروف بقى هذا الإنسان الضخم متزن الخطو، متقد الفكر، يضرب المثل العليا للناس مخلوطة بعرق الجبين، واغبرار القدم. فهو أسوة حسنة لكل حى في جميع الشئون المادية والأدبية. وحياته في نومه ويقظته، وأكله وشربه، ومع الكبار والصغار، والأصحاب والخصوم، في الصحة والمرض، والسلم والحرب، والحل والترحال، هذه الحياة تتبعتها ألوف الأعين، وسجلت صفتها ألوف الألسنة، فما كان منها إلا ما يسر، ويعجب، ويخط للناس طريق الخير والرشاد. فكيف يجىء بعد ذلك مستشرق تافه ليقول: إن محمدا ليس مثلا أعلى!! والغريب أن يستدل هذا المستشرق على إفكه بشارات التواضع في حياة هذا الرسول الكريم، أو بما يجب أن يلتزمه من مواقف العبودية لله العظيم. فإذا قال محمد مثلا: (وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين) جاء هذا المخلوق المظلم ليقول: ألم أخبركم أن محمدا خاطئ، وأنه مأمور أن يستغفر الله من ذنبه؟! ونحن نشعر بأن الحديث عن العظماء مع ناس- ذاك مبلغ فقههم في أسرار النفوس وأطوار السمو- عبث. وهو كما تحدث عن الخمرة الإلهية عصابة من السكارى يترنحون في إحدى الحانات . ص _038