الصفحة 33 من 228

لكنا نضحك للقول بأن علم الكلام هو الذى تولى سد النقص في القيم الروحية عند المسلمين! نعم، غريب أن يتولى علم الكلام تقديم النماذج الإنسانية الرفيعة للمسلمين.. إن هذا العلم- في أحسن أحواله- يعرض العقائد الإسلامية عرضا نظريا، ويبسط أدلتها، ويفند شبه الخصوم، ويكشف حقيقتها. أما في أحواله الذميمة فهو يخلط المعرفة الإسلامية بالفلسفة الأجنبية، ويخوض بحورا موحلة من المباحث الغيبية والشطحات العقلية. فما تكون صلة علم- هذا موضوعه- بتصوير المثل العليا للمسلمين؟ ولماذا اختار"جولد تسيهر"هذا العلم، ولم يختر النحو أو الجبر؟ ثم هو يقول:"إن محمدا لم يزعم للناس أنه قديس". فماذا يقصد بهذه الكلمة؟! إن محمدا حقا لم يصف نفسه، ولا وصفه أتباعه بأنه"كاردينال"أو"بابا"، لأن هذا الرجل الذى قدم للناس كتابه وسنته، كى يصلهم بالله رب العالمين، لم يرض قط أن يكون كاهنا، ولم يرض قط أن ينصب نفسه وسيطا بين العباد وربهم، بل قال لابنته فاطمة- وهى أقرب الناس إليه-:"اعملى... لا أغنى عنك من الله شيئا". إن الميزة البينة في دين محمد: أنه يجعل كل إنسان مسئولا عن نفسه، فهو بتساميه يستطيع أن ينال الرضا الأعلى، وهو بتدليه يستحق غضب ربه. الإنسان صانع حاضره ومستقبله، بما يقدم من خير أو شر. ولا مكان لدخيل من الكهان يزعم أنه يبيع المغفرة أو يحمل الخطايا.. محمد الإنسان الكامل: أما السلوك الخاص لمحمد، فماذا نقول فيه؟ إنه بشر يأكل الطعام ويمشى في الأسواق، ما ننكر هذا، وما يزيد في هذا أو ينقص عن إخوانه النبيين، ولا عن أهل الأرض أجمعين... لكن هذا البشر ظل يرقى في مدارج الكمال حتى بلغ شأوا من سناء القلب واللب، وجلال الخلق والعمل لم يعرف لأحد من المستقدمين والمستأخرين. بل إنه مشى على أديم الأرض ملكا كريما في إهاب إنسان فياض النفس بالإيمان والبر، وحب الحق، والتفانى في نصرته، والعطف على الأحياء، والدأب على ص _037

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت