الصفحة 27 من 228

إن تصيد الشبه حيث لا مجال لشبهة، هو الذى يجعل بعض المستشرقين يزعم في إلحاح سمج أن هناك اختلافا بين القرآن المكى والقرآن المدنى. مرده- كما يتوهمون- أن الظروف التى واجهها الرسول في المدينة، أملت عليه كلاما يباين ما قاله في مكة على أنه وحى من عند الله. وقد استبد بهم الحماس في هذا الوهم حتى أفقدهم كل اتزان علمى. فالمستشرق"مرجليوث"يرى أن الآيات القرآنية تحكى مجىء إبراهيم إلى مكة واستيطان ذريته بجوار البيت بعد ما بناه هو وابنه إسماعيل. هذه الآيات مفتعلة، دعت إلى افتعالها رغبة الرسول في تألف اليهود، وإثبات صلة قرابة بينهم وبين العرب.. ولذلك جاء في سورة البقرة- وهى مدنية-: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر) وقوله: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) والمستشرق الذى يوجه هذا الاتهام إلى القرآن ينسى في غمرة حماسه أمرين: أولهما: أن الحديث عن إبراهيم وزيارة مكة، واتصاله بالعرب لم يبدأ في المدينة تألفا ليهودها، وإنما بدأ في مكة حيث لا يهود ولا زلفى! وفى القرآن المكى سورة اسمها"إبراهيم"جاء فيها: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) الثانى: أن العهد القديم- الذى يرى هذا المستشرق أنه كتاب مقدس- أثبت قدوم إبراهيم وابنه إلى بلاد العرب، فكيف يقول مستشرق متزن الفكر أن آيات سورة البقرة غير صحيحة، وأنها قيلت استرضاء لليهود،، وأنها تخالف القرآن المكى؟؟! وليس المضحك أن يتورط مستشرق في هذه الغفلة الشائنة، لشدة رغبته في القول بأن قرآن المدينة يغاير قرآن مكة. وإنما المضحك أن يجىء الدكتور"طه حسين"فيتبنى هذا الضلال ويخرجه في كتاب ألفه عن الشعر الجاهلى بعد أن يخيل للناس أن هذا الكفر هو نتاج عقله الخاص، وليس نقلا أعمى عن مستشرق موتور . . ص _031

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت