حول بلاغة القرآن في مكة والمدينة: والمستشرق المجرى الذواق لما تتضمنه أساليب العرب من بلاغة يرى أن القرآن في مكة كان ذا قيمة رفيعة..: أما في المدينة فقد هبط مستواه.!! ويظهر أن الرجل لا يحسن فهم ما يقتضيه تغاير المعانى من تنوع الأداء. فتقسيم المواريث مثلا إذا كان موضوع آية، فإن التعبير لا يجوز أن يجىء عاطفيا حماسيا كما يجىء عند وصف أهوال القيامة بطريقة تستهدف قمع الغرائز المتمردة. والحديث عن جلال الله من خلال التأمل في عظمة الكون يقتضى أسلوبا آخر غير أسلوب سرد أحكام الزواج والطلاق مثلا. والبلاغة إنما هى رعاية مقتضى الحال. ومن ثم فمحاولة الطعن في بلاغة بعض القرآن لأن هذا البعض ليس مثيرا، ولا حاد الإلقاء هى هزل لا جد فيه.. وعلى هذا الأساس نقرأ ما كتبه"جولد تسيهر"حول بلاغة القرآن إذ يقول (ص 12) :"بديهى أن التغير الذى حدث في الطابع الشخصى لمحمد قد أثر في أسلوب القرآن وشكله الأدبى... ففى العصر المكى جاءت المواعظ التى قدم فيها الصور التى أوحتها حميته الملتهبة في شكل وهمى خيالى حاد.. لكن حمية النبوة وحدتها أخذت في عظات المدينة والوحى الذى جاء بها تهدأ رويدا، رويدا حيث أخذت البلاغة في هذا الوحى تصبح ضعيفة شاحبة، كما أخذ الوحى نفسه ينزل إلى مستوى أقل بحكم ما كان يعالجه من موضوعات ومسائل، حتى لقد صار أحيانا في مستوى النثر العادى.."وقال:"ويجب ألا يفوتنا الإشارة إلى أن القوة الخطابية في القرآن أخذت تفتر حماستها برغم استعمال السجع في أجزاء القرآن التى نزلت بالمدينة.."قال:"وبينما ترى محمدا يسرد في الأولى- فترة ما قبل الهجرة- رؤاه الكشفية الإلهامية في فقرات مسجوعة متقطعة، وفق صوت ضربات قلبه المتقطع المحموم، نرى الوحى في الثانية يتخذ الشكل السجعى، لكنه مجرد من اندفاعه وقوته". وكلام هذا المستشرف المجرى عن القيمة البلاغية لسور القرآن مثل كلام أى ريفى في بلادنا عن شئون الذرة !! أى لا