فأين هو التفاوت بين إسلام مكة والمدينة كما يزعمه هذا الذهن المريض؟ اسمع إليه يقول:"إن العصر المدنى قد أدخل تعديلا جوهريا، حتى في الفكرة التى كونها محمد عن طابعه الخاص، ففى مكة كان يشعر أنه نبى يتمم برسالته سلسلة رسل التوراة، وأنه لهذا عليه ـ مثل أولئك الرسل ـ أن يقوم بإنذار أمثاله في الإنسانية وإنقاذهم من الضلال. أما في المدينة ـ وقد تغيرت الظروف الخارجية ـ فقد تغيرت مقاصده وخططه، واتجهت اتجاها آخر بحكم تلك الظروف الخارجية. ولا غرو، فقد وجد نفسه في بيئة تختلف عن بيئة مكة، فكان هذا مما جعله يدفع إلى المقام الأول مظاهر أخرى من مظاهر رسالته النبوية" (ص 19) . تعديل جوهرى في مقاصد النبوة وخططها لتغير البيئة؟! هذا والله هو اللغو بعينه. إن الإسلام اكتمل بناؤه في المدينة بعدما وضعت دعائمه، واستبانت معالمه في مكة على ما رأيت، ما تغير مقصد ولا تبدلت وجهة. ولننظر إلى الدليل الذى ساقه الرجل ليؤيد كلامه. يقول ـ عن الرسول بعد انتقاله إلى المدينة:"إنه يريد الآن إصلاح دين إبراهيم وإعادته إلى أصله بعد أن نال منه التغيير والإفساد، وكان تبشيره مختلطا ببعض التقاليد القديمة التى تتعلق بإبراهيم" (ص19) أى أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحول في العهد المدنى إلى الكلام عن دين إبراهيم وإحياء تقاليده. أما في مكة فلم يكن هناك شىء من هذا. وهذا كذب، فإن القرآن المكى جاء فيه قول الله جل شأنه: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) . وجاء فيه: (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك) ص _026