أى أن ما قرع أسماعهم هو شىء جديد غير معهود في الديانات الوثنية والكتابية المحرفة، وذلك حق. فإن التوحيد المطلق المنكر للبنوة والولاة، الرافض لتسوية أى مخلوق بالله، كان شيئا جديدا طريفا أنطق الألسنة بهذا الاستغراب: (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب * وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد) فهل يصح القول بأن دعوة الإسلام لا جدة فيها ولا طرافة؟! وإذا كان القرآن النازل في مكة لا يكون دينا جديدا، فماذا يكون؟! إن الوحى المكى جمع كل الآداب، والوصايا، والمبادئ الرفيعة الموزعة في صحائف العهدين القديم والجديد، وزاد عليها آدابا، ووصايا، ومبادئ أخرى احتاج إليها العالم في تقويم فطرته وصيانة حياته، وذلك كله إلى جانب ما صحح من عقائد، واستن من شرائع لم تكن معروفة للعبادات الأصلية. فكيف يوصف القرآن المكى بأنه"استعدادات دينية"وليس دينا جديدا؟! إن سورة الأنعام وحدها أو سورة الإسراء وحدها ـ وهما مكيتان ـ تضمنتا من حقائق الدين ما يربو على الأناجيل كلها. فإذا لم يكن الإسلام في مكة دينا، فلن تكون اليهودية ولا المسيحية ديانات. الإسلام في مكة هو الإسلام في المدينة. في سورة الصافات: (إن إلهكم لواحد) وفى سورة البقرة: (وإلهكم إله واحد) والأولى مكية والأخرى مدنية . في سورة يونس: (إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون) وفى سورة آل عمران: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) والأولى مكية والأخرى مدنية . ص _024