الصفحة 19 من 228

لا تفاوت بين الإسلام في مكة والمدينة: ونحن نسخر من المستشرقين ـ وفى مقدمتهم"جولد تسيهر"ـ حين يرون أن محمدا اقتبس معارفه الإلهية ومبادئه التشريعية من راهب أو كاهن. فهذا القول ـ في نظرنا ـ يشبه اتهام أحمد شوقى بأنه سرق معانيه من بيرم التونسى، أو صلاح جاهين اللذين يكتبان بالعامية كلمات الأغانى الخفيفة لبعض الناس. إن أمراء الشعر لا يسرقون من الزجالين، وإن محمدا الذى قدم للعالم أنفس العقائد والشرائع في أرقى أسلوب وأنصع بيان، لو كان أتى بهذا الدين من عند نفسه لا من عند الله، لكان معنى هذا أن البشر أقدر على صنع الأديان من رب البشر، وإلا كيف يتصور أن القرآن عمل إنسانى، إن العهدين القديم والجديد، عمل إلهى؟!! ثم بأى وجه يغضى المستشرقون عن المتناقضات النابية لديهم، ولا يلفت أنظارهم إلا أن رب المسلمين جبار يتطلب العُباد الأذلة؟! أهذا هو العيب الذى لاحظوه على عقيدة التوحيد، وبرئت منه عقيدة التثليث؟! أهذا هو العيب الذى لاحظوه على مبدأ:"ليس للإنسان إلا ما سعى"ولم يلاحظوه على مبدأ:"اغلط واعترف للكاهن وثق أن دم المسيح قد ضمن لك الغفران"؟! إنهم يختلقون القشة في عيون غيرهم ويرونها مجسمة، ولا يرون الخشبة التى تعمى أبصارهم!!.. ومن هذه المزاعم أيضا الحكم على الدعوة الإسلامية بأنه:"لا جدة ولا طرافة في هذه الدعوة" (ص 12) والقول بأن:"الوحى الذى نشره محمد في أرض مكة لم يكن ليشير إلى دين جديد، فقد كان تعاليم واستعدادات دينية نماها في جماعة صغيرة، وقوَّى في أفراد هذه الجماعة فهما للعالم، مؤسسا على الحكم الإلهى" (ص 17) ثم القول:"إنه في المدينة فقط ظهر الإسلام نظاما له طابع خاص" (ص 17) هذا الكلام جهالة وتخليط، فإن أهل مكة الذين يعرفون النصرانية جيدا قالوا لما سمعوا دعوة الإسلام: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ) ص _023

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت