ولهذا أمر الله محمدا أن يتلو على الناس هذا الكلام: (قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) . إن العبودية لله تعنى التحرر مما سواه، وتلك هى السيادة التى لا تدانيها سيادة. والإنسان الذى يشعر بأن خضوعه لله وحده حق، وأن ذلته لغيره باطل، إنسان عظيم بلا ريب، وهو في جنبات هذا الكون الرحب لا يقل منزلة عن الملائكة الكرام إن لم يزد. ثم الإنسان المقر لله بالعبودية يدين له بالسمع والطاعة وينفذ أوامره بحب وتقدير. ولما كانت أوامر الله خيرا محضا، فأسعد الناس بثمراتها في العاجلة أولئك العباد المخبتون. فهل هذه العبودية هى ما يضايق المستشرقين؟ إننا من غير مقارنة بين الأديان، نحب أن يسمع"جولد تسيهر"كلام"جان جاك روسو"فى المسيحية والعاملين بها يوم بدأت"أوروبا"تشق طريقها للحياة وتتلمس مستقبلا أنضر.. قال:"إن المسيحية دين روحانى تماما، لا تشغله سوى أمور السماء وحدها، فوطن المسيحى ليس في هذا العالم.. وصحيح أنه يقوم بواجبه، ولكن يقوم به دون مبالاة بنجاح ما يعهد به إليه أو فشله فيه، فهو إذن لا يجد ما يلوم عليه نفسه. إنه لا يهمه كثيرا أن تسوء الحال أو تحسن على هذه الأرض.. فإذا ازدهرت الدولة لا يكاد يجرؤ على التمتع بالبهجة العامة، بل يخشى أن يفخر بمجد بلاده. وإذا هلكت الدولة يبارك يد الرب التى ألقى ثقلها عن شعبه...". ويستطرد"روسو"فى هذا الوصف فيقول:"ويجب في هذه الحالة أن يكون جميع المواطنين بلا استثناء مسيحيين صالحين على السواء حتى يسود السلام المجتمع وبعم التوافق. ص _021"