لا جديد هنالك، إننا نعرف هذه التهم، ونعرف ما يدحضها ويهيل عليها التراب. لذلك أحسست ضجرا ثقيلا حين شرعت أناقش المستشرق"جولد تسيهر"مؤلف كتاب العقيدة والشريعة. فإن الشبهات التى علقت بذهنه وأطال سردها وشرحها، سبق أن ذكرها غيره! أو ذكر ما يشابهها ويدانيها ورددنا عليه دون عناء. ولا غرو، فهؤلاء المستشرقون نزعهم عرق واحد، وجمعتهم راية واحدة، فليس بغريب أن تكثر الموافقات في أحكامهم، وإن تفاوتت طرق الفكر، ووجهات النظر..! وهذا المستشرق المجرى"جولد تسيهر"بسط الكلام في أصل الإسلام، والروافد التى أمدته على مر العصور. وهو يرى أن الإسلام ليس من صنع محمد وحده، بل هو أيضا من صنع الأجيال التى جاءت بعده. العقيدة والشريعة بدأتا على يد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في القرن الأول، ثم أتى المفكرون الصالحون- والظالمون كذلك- فنموا هذا التراث الساذج الذى تركه النبى العربى، وزادوا فيه كما وكيفا، حتى بلغ الحد الذى وصل إليه في عصرنا هذا.. ومعنى هذا الكلام بلغة الموازين أن الإسلام الذى خلفه محمد لم يكن يساوى أكثر من أقة، وأنه إذا كان يساوى الآن عشر أقات، فإن هذه التسع جاءت من إضافات العقل الإسلامى طول أربعة عشر قرنا! ثم إن العقل الإسلامى استجلب هذه المقادير الزائدة من شتى الثقافات والحضارات التى اتصل بها. بل إن محمدا نفسه لم يأت بهذا الدين، لا من عند الله، ولا من عند نفسه، لقد نقل أغلب أصوله وفروعه من الرومان والفرس والهنود، واستطاع أن يمزج هذه النقول المجلوبة بنفسه ومشاعره، وأن يقتنع بأنه صاحب رسالة لإصلاح العرب الوثنيين، ثم مضى في طريقة حتى بلغ ما بلغ..! و"جولد تسيهر"- وهو من أساطين المستشرقين وأغزرهم علما- يؤلف كتابه للتدليل على هذه المزاعم! وتعليل ما يحتاج إلى تعليل. وقد أتممت قراءة كتابه، وذكرت الأسطورة التى كنا نسمعها من النسوة العجائز في قريتنا، ومن كبار الشيوخ أيضا . ص _016