الصفحة 26 من 115

الأول: ما جاء في الموطّأ (2/ 463) وغيره عن ابن عمر أن رسول الله قال: (( إنما المدينة كالكير تنفي خبثها، وينصع طيبها ) ).

الثاني: في الموطأ (2/ 467) وغيره عن أنس بن مالك أن رسول الله قال: (( اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابَتَيها ) ).

الثالث: في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (( إن الإيمان ليأرِز إلى المدينة كما تأرِز الحيّة إلى جحرها ) ).

ودلالات الأحاديث متفقة على طهر المدينة وأهلِها وبركتِها؛ فلا ضيْر أن يُشتدّ في تأديب وتعزير المفسد فيها إلى حد القتل صوْنا لحرمتها وسعيا في مقصود الشرع، وقد قال تعالى في حق الحرَم: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} رتّب العذاب الأليم على مجرّد النية بالظلم، وكل مكان أو زمان أو حال تتضاعف فيه الحسنات كذلك تتضاعف فيه السيئات، وهذا معنى متواتر في الشريعة، ألا ترَ إلى أحدهم يعمِد إلى دار السلطان فيرمِ بها الزِّبالة كيف يُشتدّ في تأديبه وتعزيره، فكيف إن رماها داخل مسجد! وكيف إن كان ذلك المسجد قد حرمه نبي الله!!

فإن قيل: بطريقتك هذه، أنت تقصر فقه مالك على المدينة النبوية؟

فالجواب: أجَلْ، في الفروع لا الأصول؛ فمالك رحمه فقيه المدينة، وما جمعه في الموطّأ كان فقه وحديث أهل المدينة؛ حيث ثبت أنه لم يروِ في موطّئه عن غير المدنيين إلا سبعة رجال هم: أبو الزبير المكي، وحميد الطويل وأبو أيوب السِّختياني البصريان، وعطاء بن عبد الله الخُراساني، وعبد الكريم بن مالك الجزري، وإبراهيم بن أبي عبلة الشامي.

ولقد حاول الخلفاء أن يجعلوا الموطّأ قانونا عاما يرجع إليه القضاة في أحكامهم؛ فخالفهم الإمام في ذلك وقال: إن أصحاب رسول الله اختلفوا في الفروع وتفرقوا في الآفاق، وكلٌّ عند نفسه مصيب.

إذن؛ فإذا تباعدت الأقطار عن محتِد الإيمان والدين جاز تأديب المبتدع وتعزيره على ما يرى الحاكم، وعلى هذا جرى أصحاب مالك كما سيظهر من كلامهم بعدُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت