فإن قيل: كيف يعمل بآية الحرابة وفي آية البغي الغنية، وهي العمدة في حرب المتأولين؟
فالجواب: بل عمل بآية البغي؛ ألم ترَ إلى قوله تعالى: {فأصلحوا بينهما بالعدل} هي ردّ الغالي ومدّ الجافي إلى النمط الوسط الذي يلتقي فيه جمع الأمة، وليس يَرُدّ البغاةَ إلا التوبة؛ فمالك يستتيبهم عملًا بمجمل آية البغي، فإن تابوا وإلا قتلوا عملًا بعموم آية الحرابة في المفسد في الأرض، وإفساد الإباضية في الدين من حيث أظهروا بدعهم ودعوا إليها؛ فإن لم يدعوا إليها كانوا بمنزلة الفايئين إلى الحق، والله أعلم.
فإن قيل: وهل يصح تجزّأ الحكم على الدليلين؟
فالجواب: نعم، والجواب من وجهين:
الأول: أن العمل بالدليل الثاني يكون فيما سكت عنه الدليل الأصلي للحكم، وأمثلته كثيرة جدا.
الثاني: على أصول مالك في مراعاة الخلاف؛ أي العمل بالدليل الأصلي ولازم دليل المخالف [1] ، مثاله: يرى مالك فسخ نكاح الشغار إلا أنه يحكم بثبوت التوارث بين الزوجين عند موت أحدهما إعمالا لدليل المخالف القائل بعدم الفسخ.
فإن قيل: ما الداعي إلى كل هذا التأويل، وكان يكفي فيهم التأديب والتعزير بدل القتل؟
فالجواب: الحامل على ذلك سد ذريعة الإفساد في الدين، ومالك رحمه الله على مذهب الفاروق وابنه عبد الله في الشدة على أهل الباطل، وهذا يحتاج إلى نوع تفصيل:
إن مدينةَ رسول الله ليست كباقي الأمصار والأقطار؛ فهي أصل الإيمان ومعدن الدين ومستقر النبوة، ويكفيك في فضلها ثلاثة أحاديث هم كالشامة على محيّاها:
(1) للاستزادة ينظر: أبو عبد الله ابن جزي: تقريب الوصول إلى علم الأصول (ص: 146) ، محمد بن يحيى بن عمر المختار: إيصال السالك إلى أصول مذهب الإمام مالك (ص: 21) .