تر إلى أصحاب علي بن أبي طالب كيف ترددوا في الحكم عليهم وهم من خيار التابعين وأكابرهم؛ فلا ينبغي خوض غماره إلا للعلماء المجتهدين المحققين الذين قلوا في زماننا بل هم أقل من القليل.
وفي معنى آية البغي جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله يقول: (( من أعطى إماما صفقة يده وثمرة فؤاده فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر ) )، وروى عَرْفَجة قال: قال رسول الله: (( ستكون هنات وهنات، ورفع صوته: ألا ومن خرج على أمتي وهم جميع فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا من كان ) )؛ فكل من ثبتت إمامته وجبت طاعته وحرم الخروج عليه.
4/ 3/1/ رأي مالك رحمه الله وأصحابه:
قال في المغني (10/ 54) :"قال مالك في الإباضية وسائر أهل البدع: (( يستتابون، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم ) ). قال القاضي إسماعيل بن إسحاق البغدادي المالكي [معلِّقًا] : رأي مالك قتل الخوارج وأهل القدر من أجل الفساد [1] الداخل في الدين كقطاع الطريق، فإن تابوا وإلا قتلوا على إفسادهم لا على كفرهم". اهـ، وذكر نحوه ابن عبد البر في التمهيد.
مقتضى رأي مالك فيهم أنهم بغاة، وأنه يلزم قتلهم إذا أظهروا بدعهم أو خرجوا لطلب الحكم، وظاهر أنه استدل على قتلهم بالقياس على آية الحرابة، ويفهم منه أنه إذا استتروا وأخفوا بدعهم تركوا؛ إذن خالف الجمهور فقط في حال إظهارهم بدعهم دون خروج كما سيأتي بيانه.
فإن قيل: بل مالِك يراهم محارِبة لأنه يستدل عليهم بآية الحرابة، وأنت تقول يراهم بغاة؟!
فالجواب: نعم يراهم بغاة لأن المحاربة لا يستتابون بعد القدرة عليهم بل يُعمل فيهم نص الآية.
فإن قيل: إذن يراهم هم والمحارِبة كفارا مرتدّين لأنه يرى استتابتهم وإلا قتلوا؟
فالجواب: لا يستقيم هذا؛ لأن الآية خَيّرتْ بين النفي والقتل لمن لم يتب، والمرتد لا يُخيّر.
(1) لمن أراد أراد التحقيق والنظر الدقيق في مسألة القتل بالفساد فليراجع أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي (2/ 92 - 99) .