4/ 3/ التوصيف الفقهي لمسألة الحكم على الإباضية:
هذا، ولم يرد في كتب الفقه المعتمدة لدى مذاهب الأمصار الحكمُ صريحا على الإباضية - مطابقةً لا تبعًا - إلا نزرا يسيرا هنا وهناك؛ فإذا قلنا بأن مذهبهم سياسي (وهو الذي أميل إليه ما استتروا ببدعهم) فقد جاء في فتح الباري لابن حجر (12/ 298) :"وقال الغزالي في (( الوسيط ) )تبعا لغيره في حكم الخوارج وجهان: أحدهما أنه كحكم أهل الردة، والثاني أنه كحكم أهل البغي ... [قال ابن حجر] وليس كل ما قاله مطردا في كل خارجي؛ فإنهم على قسمين: أحدهما من تقدم ذكره، والثاني من خرج في طلب الملك لا للدعاء إلى معتقده، وهم على قسمين أيضا: قسم خرجوا غضبا للدّين من أجل جور الولاة وترك عملهم بالسنة النبوية فهؤلاء أهل حق، ومنهم الحسين بن علي وأهل المدينة في الحرّة والقرّاء الذين خرجوا على الحجّاج، وقسم خرجوا لطلب الملك فقط سواء كانت فيهم شبهة أم لا وهم البغاة". اهـ
فعلى هذا التقسيم تكون الإباضية من القسم الذين خرجوا لطلب الملك سواء كانت في الحكّام شبهة أم لا، وهؤلاء هم البغاة الذين نزلت فيهم الآية (09) من سورة الحجرات (آية البغي) : {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} .
وبهذه الآية استدل الشافعي - رحمة الله عليه - وأصحابه على قتال الخوارج، وكذلك علي رضي الله عنه عندما أراد أصحابُه تسميتهم؛ فذكروا له الكفر فأبى، وذكروا له النفاق فأبى، ثم قال لهم: إخواننا بغوا علينا.
هذا تحقيق المناط عند الأصوليين وهو"أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي [1] ، لكن يبقى النظر في تعيين محله"، وهو من عويص العلم الذي تزل عنه الأقدام، وتضل فيه الأفهام، وتكثر حوله الأوهام، ألم
(1) أي أن تثبت علة الحكم بنص أو إجماع، انظر مثلا: الشاطبي: الموافقات (5/ 12) .
والمناط في الآية هو البغي الذي تعلق به حكم قتالهم، وسيأتي مبحث يفصل في حقيقته ومعناه.