الصفحة 22 من 115

وهذا لم يخفَ على الشافعي رحمه الله، ولا عن غيره من محققي أهل السنة كأبي حنيفة؛ وسيأتي كلام ابن حجر في أن الخوارج الداعين إلى بدعة لا كالمطالبين بالحكم، وسيأتي أيضا بحثُ حكمِ من خرج دعوةً إلى بدعته.

وإذا ذهبنا مذهب الشافعي - رحمه الله - وغيره من أهل العلم كابن حجر في جعل عمر بن عبد العزيز خليفة راشدا فيكونَ عمله حجة، ومعلوم أن عمر لم يكفرهم في زمنه لما خرجوا بالموْصل [1] .

الشبهة الثانية وهي قول من كفّرهم استنادا إلى أن الأئمة استدلوا عليهم بآيات نزلت في الكفار من المشركين واليهود والنصارى، وهذا يقتضي تكفيرهم.

والجواب ما قاله الشاطبي رحمه الله في الاعتصام (1/ 93) :"فآية الرعد [وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ] تشمل الحرورية بلفظها، لأن اللفظ فيها يقتضي العموم لغة، وإنْ حملناها على الكفار خصوصا؛ فهي تعطي فيهم حكما من جهة ترتيب الجزاء على الأوصاف المذكورة"اهـ.

أي أن الحكم على الخوارج بالقتل استدلالا بآيات نزلت في الكفار لا يقتضي تكفيرهم، كآية الرعد جاءت في اليهود خاصة، وشملت الحرورية بعموم لفظها من غير أن يكونوا يهودا قطعا.

قال الشاطبي:"وكذلك آية الصف، فإنها خاصة بقوم موسى عليه السلام، ومن هنا كان سعد [بن أبي وقاص] يسميهم الفاسقين - أعني الحرورية - لأن معنى الآية واقع عليهم وقد جاء فيها: {والله لا يهدي الفاسقين} والزيغ أيضا كان موجود فيهم، فدخلوا في معنى قوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} ومن هنا يفهم أنها لا تختص من أهل البدع بالحرورية، بل تعم كل من اتصف بتلك الأوصاف التي أصلها الزيغ، وهو الميل عن الحق اتباعا للهوى". اهـ

خلاصة القول: إنه لا يقطع بكفر أحد من أهل القبلة على التعيين بنصوصٍ تحتمل التأويل.

(1) انظر: أبو عمر بن عبد البر: التمهيد لما في موطأ مالك من الأسانيد (23/ 336) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت