الصفحة 20 من 115

أقول منها )) الحديث، و"في"تقتضي الظرفية؛ أي داخل أمتي، عكس ما ذهب إليه جماعة كالقاضي عياض والسيوطي رحمهم الله؛ حيث جعلوا"في"تقتضي أنهم خارجون من الملة و"من"تقتضي أنهم منها، وكأني بهم قد قلبوا الآية؛ لأنه يكثر استعمال"في"للظرفية كقولك: زيد في الدار، أي داخلها، ويكثر استعمال"من"لابتداء الغاية كقولك: خرجت من البيت، أي منه إلى غيره، وأبْين من هذا قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} ، أي يعلم ما يلج من ظاهر الأرض إلى باطنها، وما يخرج من باطن الأرض إلى ظاهرها، والله أعلم بمراده.

الثاني: أن"من"هنا لبيان الجنس؛ أي تخرج طائفة هي من أمتي لا من غيرها؛ فلم ينف عنها الانتساب إلى أمته عليه الصلاة والسلام.

ويلزم على كلا التأويلين أن يكون معنى"أمتي"أمةَ الإجابة؛ أي المسلمين المصدقين برسالة محمد، وهو كذلك لأنه عُرْف الشّرع.

وفي قوله: (( يمرقون من الدين ) )، قال الخطابي: بمعنى يخرجون عن طاعة الإمام.

أما تكفيرهم لبعض الصحابة والخلفاء الراشدين وتفسيقهم وخرق إجماعات الأمة فهو من أشدها عليهم مآلا، وأشكلها علينا تأويلا، ولا نجد لهم ما يردّ عنهم هذه الشُبَه التي تقتضي كفر [1] مرتكبها إلا أن نقول: لم يكن انعقد الإجماع بعدُ على تعديل كل الصحابة رضوان الله عليهم.

أما قتالهم للمسلمين وقد قال: (( سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر ) ).

فالجواب: اقتتال الصحابة في الجمل وصفين على تأويل واجتهاد، فكذلك هؤلاء قاتلوا على تأويل واجتهاد، والحديث يُحمل على المقاتل دون تأويل أو أنه كفر دون كفر [2] ، قال ابن رشد (بداية المجتهد ونهاية المقتصد: 2/ 376) :"لأن كل من قاتل على التأويل فليس بكافر بتة، أصله قتال الصحابة، وكذلك الكافر بالحقيقة هو المكذب لا المتأول". اهـ

(1) انظر مثلا: محمد بن أحمد الذهبي: الكبائر، الكبيرة السابعة والخمسون: سب أكابر الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين (ص: 93) .

(2) ويسمى أيضا الكفر الأصغر والكفر العملي، مقابل الكفر الأكبر والكفر العلمي المخرج عن الملة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت