عنوان الفتوى : كيف يستدل العبد على محبة الله له؟

مدة قراءة السؤال : دقيقة واحدة

أشعر دائماً أن الله يحبني ويحميني كيف لي أن أتأكد من ذلك؟ علماً أنني سيدة مؤمنة بالله ومحافظة

مدة قراءة الإجابة : 5 دقائق

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فشعورك أن الله تعالى يحبك ويحميك نعمة عظيمة يجب عليك المحافظة عليها وشكرها، وعدم إفسادها بوساوس الشيطان ومكايده الخبيثة.
وعلامة محبة الله للعبد هي توفيقه إياه لطاعته، وصرفه عن معصيته، وإجابة دعائه، وتثبيته عند ابتلائه. إلا أن بعض الناس يظن أن الله تعالى إذا لم يوسع عليه في الرزق، ويمنحه الصحة والعافية ونحو ذلك، فإن ذلك دليل على أنه لا يحبه، وهذا اعتقاد باطل، وقد تولى الله الرد على أصحابه، فقال: فَأَمَّا الْأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ* وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ* كَلَّا....... [الفجر].
أي ليس الأمر كما زعم، بل إن الله تبارك وتعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم روى الترمذي وحسنه: .....وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط.
ولذلك كان "أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه" فقد روى الترمذي وصححه، وصححه ابن حبان والحاكم عن سعد بن أبي وقاص قال: قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة.
ولذلك ينبغي لنا أن نستشعر محبة الله تعالى لنا إذا وقفنا لطاعته وثبتنا عند بلائه، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش به ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته.
ومعنى الحديث: أن الله إذا أحب عبده وفقه في هذه الأعضاء فاستعملها في طاعته.
وقد نقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن الإمام الخطابي قوله: هذه أمثال.. والمعنى توفيق الله لعبده في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء وتيسير المحبة له فيها بأن يحفظ جوارحه عليه، ويعصمه عن مواقعة ما يكره الله من الإصغاء إلى اللهو بسمعه، ومن النظر إلى ما نهى الله عنه ببصره، ومن البطش فيما لا يحل له بيده، ومن السعي إلى الباطل برجله. انتهى
ويدل على هذا رواية: فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي. قال الحافظ ابن كثير: فمعنى الحديث: أن العبد إذا أخلص الطاعة صارت أفعاله كلها لله عز وجل.. فلا يسمع إلا لله ولا يبصر إلا لله أي ما شرعه الله له، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله عز وجل مستعيناً بالله في ذلك كله.
ولهذا جاء في بعض رواية الحديث الصحيح بعد قوله: ورجله التي يمشي بها: فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي....
وليس في هذا الحديث دليل لعقيدة وحدة الوجود كما زعم ذلك هؤلاء الغلاة، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: ليس المراد أني كنت نفس هذه الأعضاء والقوى كما يظنه أعداء الله أهل الوحدة، وأن ذات العبد هي ذات الرب تعالى الله عن قول إخوان النصارى علواً كبيراً، ولو كان كما يظنون لم يكن فرق بين هذا العبد وغيره، ولا بين حالتي تقربه إلى ربه بالنوافل وتمقته إليه بالمعاصي، بل لم يكن هناك متقرب ومتقرب إليه، ولا عبد ولا معبود ولا محب ولا محبوب.. فالحديث كله مكذب لدعواهم الباطلة من نحو ثلاثين وجهاً تعرف بالتأمل الظاهر، وقد فسر المراد منه قوله: كنت سمعه وبصره ويده ورجله... بقوله: فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي.....
والله أعلم.